مصر.. البحرين هناك فرق!!
25 يناير 2014 , 12:00ص
ذهبت إلى البحرين في زيارة عمل لمدة أيام، وهو الخروج الأول لي من مصر بعد أحداث 30 يونيه، وكأني لم أغادرها، فالمقولة المشهورة للأنبا شنودة رئيس الكنيسة الأرثوذكسية، بأن مصر وطن يعش فينا وليس دولة نعيش بها تبدو صحيحة تماماً، فالمقارنة بين الأحوال بين مملكة البحرين ومصر لم تفارقني على الإطلاق في أي لحظة، خاصة مع التماثل في الظروف السياسية التي مرت بها البلدان رغم اختلاف الظروف والأسباب، فقد شهدت مصر ثورة 25 يناير 2011، وعاشت البحرين أزمة هددت السلم الأهلي، والنسيج الاجتماعي، وكادت أن تؤدي بالمملكة ذاتها في 14 فبراير من نفس العام، وتم حسابها زورا وعدوانا ضمن ثورات الربيع العربي، وقد اختلفت تماماً آليات المعالجة، وأسلوب التعاطي مع الأزمة في الدولتين، فالبحرين ومنذ اليوم الأول للأزمة، رغم أنها خرجت من الإطار المحلي إلى الإقليمي، كانت القيادة على يقين بأن الحوار الوطني هو الحل الوحيد للعبور من المأزق، الذي عاشته المملكة، تكررت المحاولة، وكانت البداية عندما تم كلف الملك حمد بن عيسى ولي عهده الأمير سلمان، بالدعوة إلى الحوار بين كل الطوائف السياسية، وكانت هناك رغبة في القبول بالمطالب المعقولة التي تقدمت بها الجمعيات السياسية المعارضة، ولكن غرور القوة وتصور المعارضة القاصر بأن حسم الصراع سيتم من خلال الحشد الجماهيري، والاعتصام في الشوارع والميادين كان وراء ضياع فرصة ذهبية للحل كانت كفيلة بمزيد من الإصلاح السياسي، لم تيأس القيادة في مملكة البحرين ودعت من جديد إلى جولة للحوار، والتي بدأت في 2 يوليو 2011 بمشاركة 300 شخصية، من كل الطوائف والجمعيات السياسية والنقابات العمالية والمهنية، والذي لم يستمر سوى 17 يوما، رغم العديد من المقترحات التي تم تقديمها من كافة الجهات المشاركة، وانسحبت جمعية الوفاق، وهي أكبر جمعيات المعارضة الشيعية، واعترضت على عدم جدية الحوار نظرا لتعدد المشاركين، وتكررت الدعوة في بداية العام الماضي وتحديدا في 10 فبراير، واقتصرت المشاركة على أربع جهات: الحكومة، وممثلي مجلس النواب والشورى، والجمعيات الخمس المعارضة، وائتلاف جمعيات الفاتح الذي يغلب عليها انتماؤها إلى السنة، والتي برزت كقوة موازية في الأزمة، وتعددت المقاطعات والخلافات حتى أعلنت المعارضة انسحابها في سبتمبر الماضي، واستمر الحال حتى علق ائتلاف جمعيات الفاتح مشاركتها في 8 يناير الحالي، وكان من المهم تدخل ولي العهد لخلق فرصة جديدة لعودة الحوار وسط مؤشرات تؤكد أن الجميع استوعب الدرس وأصبح أكثر قبولا بالآخر.
أما الوضع في مصر فقد تحول إلى مأساة حقيقية، بعد أن عاشت في مأزق سياسي منذ ثورة 25 يناير، وكانت أقرب لتجاوز الأزمة بعد إجراء انتخابات للبرلمان، ورئاسة الجمهورية، وكان من الممكن أن يدور الصراع في إطار سياسي بين أحزاب وتيارات مختلفة، ولكن تدخل الجيش في 3 يوليو أجهض ملامح تجربة ديمقراطية وليدة، والأخطر هو التصعيد غير المبرر، وغير المسبوق بعد سقوط المئات من الضحايا على فترات قصيرة، ووصول عدد المعتقلين إلى أكثر من 15 ألف شخص من التيار الديني، والأخطر هو إغلاق كل المنافذ للحل، بعد الخطوات التصعيدية التي كان آخرها اعتبار الإخوان جماعة إرهابية، ومحاولة إقصاء تيار الإسلام السياسي من المشهد عن طريق الحلول الأمنية، وتسير الأمور إلى طريق مسدود دون أن يكون هناك ضوء في نهاية النفق.
في البحرين اتخذ الملك حمد بن عيسي قرارا غير مسبوق، عندما قرر تشكيل لجنة تقصي حقائق دولية محايدة لمعرفة كافة الحقائق في أحداث فبراير مارس 2011 من شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والخبرات الواسعة في مجال القانون الدولي والإنساني، وشاركت أيضاً في لجان تحقيق في قضايا مشابهة في دول أخرى، وأعطيت لها كافة الإصلاحيات، وقدمت لها كافة الوثائق ولقاء من تريد من المسؤولين، وتلقي الشكاوي من الأفراد، وخرجت بتقرير شامل قدمته إلى الملك في احتفال علني، وحفاوة بالغة، رغم أن التقرير حافل بانتقادات لبعض الأجهزة الأمنية، وآليات عملها وملاحظات على أجهزة التحقيق، والمعالجة الإعلامية والسياسية للأزمة، واختلف التقرير مع الرؤية الرسمية للأحداث، ورصد بعض مواقف التصعيد من جانب المعارضة، وفي الاحتفال أعلن الملك قبوله بنتائج التقرير، وأمر بتنفيذ كل ملاحظات اللجنة، وشُكل جهاز خاص بذلك في إطار وزارة حقوق الإنسان التي أصدرت ثلاثة تقارير عن الخطوات التي تم اتخاذها في سبيل تنفيذ الملاحظات، والتي وصلت إلى نسب عالية، والقليل منها يحتاج إلى تعديلات تشريعية في الطريق.
أما في مصر فكان الوضع مختلفا، صحيح أن هناك لجنتين لتقصي الحقائق، أولها في زمن الدكتور محمد مرسي، والثانية صدر بها قرار منذ أقل من شهر، ولكن غلب عليها الطابع الرسمي من حيث التشكيل، فلم تخرج عن خبراء من وزارة العدل ومستشارين، ولم يتم الكشف عن مضمون التقرير الأول، حتى يعرف الشعب حقيقة ما حدث منذ ثورة يناير، والمواجهات الدامية التي سقط فيها ضحايا وشهداء، سواء في موقعة الجمل الشهيرة أثناء الثورة، أو أحداث محمد محمود، أو مجلس الوزراء، وكلها في زمن المجلس العسكري، وما زال التقرير طي الكتمان، وعندما فكرت السلطة الانتقالية في تشكيل اللجنة الأخيرة جاء القرار متأخرا جداً، ولم تختلف في تشكيلها عن السابقة، رغم أنه مطلوب منها تقديم رؤية محايدة وموضوعية لكل ما جرى، من أحداث دامية منذ 30 يونيو، في رابعة العدوية، وميدان النهضة، وأحداث الحرس الجمهوري والمنصة، والشهداء كانوا بالمئات، وكذلك أحداث ما بعد فض اعتصام رابعة والنهضة، والاعتداء على الكنائس، واستهداف الأقباط، ولكن المؤشرات التي خرجت من اللجنة لا تطمئن، فيبدو أنها تعاني من نقص في المعلومات المقدمة من الأجهزة الرسمية، فدعت أي مواطن للتقدم بما لديه، ولم نسمع عن زيارات للسجون للقاء قيادات الإخوان والحرية والعدالة، وسماع شهادتهم وتوثيقها، وما تم الكشف عنه من أعمال اللجنة، كانت في سماع شهود حادث استهداف كنيسة في دلجا، مما يؤكد أنه سيتم استخدام اللجنة وتقريرها في إطار حملة شيطنة الإخوان، وإذا سارت عكس التيار، واتسمت بالحياد فمصير التقرير إلى الأدراج والنسيان.
في البحرين حاولت المملكة قصر الأزمة في إطارها السياسي، دون إقصاء أو تهميش لأي تيار مهما كانت مواقفه طالما يتمتع بالشرعية ويعمل في إطارها، وما زالت الجمعيات السياسية تمارس عملها بكل حرية، تعقد مؤتمراتها، تصدر بياناتها، حتى المواجهات الأمنية المحدودة يتم التعامل معها في إطارها، أما في مصر فالتوجه العام إلى التصعيد لأقصي درجة، والإقصاء السياسي هو أساس المشهد، بعد اعتقال الآلاف وعدم تقديمهم إلى المحاكمة الذين يرفضون القبول بالانقلاب العسكري حتى الآن، ويخرجون في مظاهرات شبه يومية، كما تم مصادرة والتحفظ على الأموال، دون أي سند قانوني.
هذه هي الصورة وتلك هي المقارنة بين دولتين، وأزمتين، وقيادتين!