«رأس بن سكة» تقود
24 أكتوبر 2011 , 12:00ص
كنا في مقهى أبيض الجدران مزين بنوافذ زرقاء. إنه اللون الذي يأخذ عينيك طالما أنت سائر في حي سيدي بوسعيد السياحي الأشهر في العاصمة تونس. لا لون آخر في تلك المنطقة الساحرة المطلة على البحر المتوسط بكبرياء وخيلاء. الشجر الفرح بخضاره الزاهي، والبشر القادم من كل بقاع الأرض، والمنتجات السياحية، والأرجيلة والشاي التونسي المميز في الأكواب الصغيرة المذهبة. مفردات تأخذك عنوة إلى الفرح. كنا نضحك مأخوذين بطاقة غريبة آتية من تاريخ المكان الذي يعود إلى آلاف السنوات قبل التاريخ، وإذا بزميلة تسأل عن «حقيقة أسرة زوجة بن علي». تكهرب المكان. وابتلع التونسيون المرارة، ونطق أكبرهم سنا: دعونا لا نحرق جلستنا بالحديث عنهم.
أمس الأحد، جرت أول انتخابات في تونس، أولى الدول الثلاث المحررة من الديكتاتورية. وقبل ثلاثة أيام فقط من إجراء الانتخابات، سقط القذافي صاحب المقولة الشهيرة «من تحزب خان». أهي مصادفة أم مفارقة دالة تدفعنا لاستكمال طريق طويل ما لبث أن بدأ؟
إنها المرة الأولى في تاريخ ثلاث دول مجاورة تجرى فيها انتخابات نتائجها غير معروفة سلفا. فنتائج الانتخابات في تونس كانت مقروءة للمواطن التونسي، فلم يضيع وقته في متابعة أوراق معدة سلفا. كما لم تذق مصر طعم انتخابات نزيهة منذ انتقلت إلى الجمهورية عام 1952. ولم تختبر ليبيا القذافي الانتخابات أساسا لعدم حاجتهم إليها وفق رأي العقيد المغتال منذ أيام قليلة. بالأمس اختار الناخبون مجلسا تأسيسيا مهمته الأساسية وضع دستور جديد «للجمهورية الثانية» في تاريخ تونس المستقلة. ليس علينا إذن أن نتعجب من وجود أعلى نقطة في شمال إفريقيا داخل الأراضي التونسية. ففي مدينة بنزرت تقع منطقة «رأس بن سكّة» التي هي أحد الرؤوس على الساحل الشمالي للبلاد التونسية.
من بين أحد عشر ألف مرشح تونسي، اختار التونسيون عدد 217 عضوا هم أعضاء «الجمعية التأسيسية» الجديدة التي ستصوغ دستورا جديدا وتعين حكومة انتقالية حتى موعد إجراء انتخابات جديدة تنبثق عنها حكومة دائمة. وطبقا لنظام التمثيل النسبي، حدد كل حزب سياسي مسبقا حجم مشاركته من خلال ترتيب مرشحيه الذين سيخوضون الانتخابات في كل دائرة، على أن يكون نصف المرشحين في كل قائمة من النساء. وتجري العملية الانتخابية للمرة الأولى في تونس تحت إشراف هيئة عليا مستقلة للانتخابات، بعد أن ظلت وزارة الداخلية تنظمها لأكثر من 55 عاما. هذا وسيكون للجمعية التأسيسية الحرية الكاملة في تقرير كيفية صياغة الدستور، وإذا ما كان سيطرح بعد ذلك على استفتاء شعبي أم لا.
على مسافة غير بعيدة ينتظر الليبيون نتائج الانتخابات. يتطلعون لملامح التغيير الذي ستحدثه ممارسة ديمقراطية هي الأولى لأناس لم يعهدوا سوى الحكم التسلطي لعقود طويلة. ينظر الليبيون والمصريون والسوريون واليمنيون والمواطنون العرب المتطلعون إلى الحرية إلى الانتخابات التونسية باعتبارها نموذجا للحركات المتطلعة للديمقراطية في العالم العربي. إنها المرة الأولى التي تشارك فيها أحزاب إسلامية ترى النور عقب سنوات من المنع والعمل السري في كل من تونس ومصر. المرة الأولى التي تتنافس فيها أحزاب أخرى غير حزب الرئيس، والمرة الأولى التي سيقرأ فيها الناخب برنامجا انتخابيا موجها له. وبينما تنجز تونس خطوتها الديمقراطية الأولى، تعلن ليبيا تحرير أراضيها من سيطرة القذافي التي امتدت اثنين وأربعين عاما، لتستعد لخطوات شبيهة مدعومة بخبرة جارتها الخضراء. وعلى الجانب الآخر، تستعد الأحزاب المصرية لإجراء الانتخابات البرلمانية الأولى عقب سقوط حسني مبارك الذي تنحى عن الحكم في الحادي عشر من فبراير لهذا العام، لتشهد مصر انتخابات تنافسية فعلية للمرة الأولى على مدى أكثر من ستة عقود.
ما ستسفر عنه التجربة التونسية سيترك بصمته على مصر التي تنتظر انتخاباتها نهاية الشهر المقبل، والتي سيتطلع إليها المصريون مطالبين بشفافية ومراقبة انتخابية مماثلة. وكذلك سيتطلع إليها الليبيون الذين أمهلوا أنفسهم ثمانية شهور لإنجاز المرحلة الانتقالية. إلا أن هناك تحديات تواجه الدول الثلاث في إنجاز خطوتهم الديمقراطية الأولى. فالناخب التونسي لم يتعرف بعد على الأحزاب المشاركة ولا على برامجها بصورة كافية، ولم يصدق بعد أن انتخابات نزيهة ستتم في بلده، وما زال الشك يغلف قلوب الكبار، بينما يساعد الأمل الشباب على توقع الأفضل. ومن بين الناخبين وحدهم ناخبو حزب النهضة الحزب الإسلامي العائد إلى الحياة بعد ابتعاد امتد لما يقرب من عقدين، هم القادرون على حسم موقع أصواتهم، بينما يتنافس «الحزب الديمقراطي التقدمي» و «حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات» على جذب أصوات الناخبين. لكن هناك %45 من التونسيين لم يسجلوا للتصويت.
من ناحية أخرى، الأحزاب المصرية ما زالت متعثرة في بناء تكتلاتها لمواجه أعضاء الحزب الوطني، الذين ما زالوا يسعون للنفاذ للبرلمان مستغلين كافة الثغرات المفتوحة، والتي لم يغلقها بعد قانون يحرم مشاركتهم. كذلك فإن الأحزاب الليبرالية عليها أن تواجه القدرات التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين التي تشارك سياسيا من خلال حزبها الجديد الحرية والعدالة، والذي لا ينقصه التنظيم ولا الأموال، وهما العنصران النادران في الأحزاب الأخرى. لكن على الإخوان أيضاً مواجهة التيار السلفي الذي انقلب عليهم وانقلبت علاقة الصداقة إلى تنديد متبادل واستعراض للقوى يضفي مزيدا من الرمادية على الانتخابات المصرية القادمة بعد شهر واحد.
على الصعيد الليبي، ما زالت الأسلحة المبعثرة في المدن الليبية خاصة طرابلس تهدد عملية إعادة الاستقرار وجذب المواطن الليبي للمشاركة في الخطوات القادمة. المشهد في الدول الثلاث يبعث على التوجس، لكن الشباب في الدول الثلاث ما زال يحدوهم الأمل، وما زالوا يلوحون بقدرتهم على التظاهر وعلى تعبئة الميادين للمطالبة بتغيير جديد إن تطلب الأمر. لقد اقتطف الشباب في البلدان الثلاثة الأمل والطريق، ولن يوقفهم أحد.