البدائل المعدومة..!
24 يناير 2015 , 02:39ص
لا يعرف أي من المراقبين ولا كثير من السياسيين حتى من المتابعين للملف الفلسطيني الأسباب الحقيقة وراء إصرار السلطة الوطنية الفلسطينية والرئيس محمود عباس على الذهاب إلى مجلس الأمن في نهاية الشهر الماضي للحصول على قرار بتحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية، وهو أكثر من يدرك بأن تمرير القرار سيكون صعبا أو شبه مستحيل، في ضوء التشكيلة السابقة لعضوية مجلس الأمن، وصعوبة توفير الأصوات التسعة من الـ15 دولة في مجلس الأمن، ناهيك عن استعداد الولايات المتحدة الأميركية بالفيتو، وهناك روايتان لذلك، الأولى فلسطينية ذكرها وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، عندما قال: إن هناك عددا من الدول العربية في الاجتماع الوزاري قبل الأخير بجامعة الدول العربية قبل تقديم مشروع القرار، كان مع تأجيل خطوة اللجوء إلى مجلس الأمن، وإعطاء الولايات المتحدة فرصة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة، واعتبروا بأنه ليس من الملائم الصدام مع الولايات المتحدة في تلك المرحلة.
أما الرواية الثانية، والتي سمعتها من الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية، ومن الرئيس محمود عباس شخصيا، أثناء لقائي به ضمن مجموعة محدودة من الصحافيين، منذ أسابيع في زيارته قبل الأخيرة للقاهرة، بأن هناك دولا عربية ومنها الأمين العام نفسه نصحوا السلطة بتأجيل عرض القرار على مجلس الأمن لفترة بسيطة من الوقت، وانتظار التشكيلة الجديدة للمجلس والتي بدأت بالفعل في يناير الحالي وقبل أيام من فشل تمرير القرار، وقد دخلت عضوية المجلس ماليزيا، وفنزويلا، وإسبانيا، وأنجولا، ونيوزيلندا. بدلا من رواندا، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، والأرجنتين. وهو ما يعزز فرص السلطة في ضوء نتيجة التصويت السابق حيث وافق على القرار الفلسطيني ثلاث من الدول دائمي العضوية في المجلس، روسيا والصين، ومعها في تغيير درامي فرنسا، وامتنعت بريطانيا عن التصويت، ورفضت أميركا القرار، بينما كانت المفاجأة في الموقف النيجيري، الذي تراجع عن دعم القرار، وأبقى العدد عند 8 أعضاء، مما رفع الحرج عن الإدارة الأميركية، التي أعلنت ومنذ التفكير في ذلك المسعى الفلسطيني رفضها لأي تحرك أحادي من جانب السلطة. كما اعتبر القرار نصرا إسرائيليا في ضوء الشعور الذي لم يعد خافيا على أحد الذي ينتاب الدبلوماسية الإسرائيلية بتنامي عزلة إسرائيل، بعد أن وصل الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى 135 دولة، ليس من بينها أميركا ودول الاتحاد الأوروبي ماعدا سويسرا، مع توقعات بالمزيد من الدول الأوروبية، والتي أيدت بعض برلماناتها الاعتراف بالدولة.
ومهما كان الأمر، ففي السياسة عليك أن تتقبل الهزيمة بروح رياضية، على أن تحاول مرة أخرى، خاصة إذا تعلق الأمر بصراع وجود، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، أو بهدف بحجم السعي إلى قيام الدولة الفلسطينية، على أراضي 1967 وعاصمتها القدس، وقد بدأت في نهاية الأسبوع الماضي جولة جديدة، بعد القرار الذي تم اتخاذه في الدورة الطارئة لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة، نهاية الأسبوع الماضي، بالموافقة على تشكيل لجنة وزراية مشكلة من فلسطين، والكويت رئيسة الدورة الحالية للقمة العربية، وموريتانيا رئيسة المجلس الوزاري، والأردن باعتبارها الدولة العربية العضو في مجلس الأمن، ومصر والمغرب ومعهم الأمين العام للجامعة العربية، ومهمتها وضع صياغة مشروع القرار الجديد، مع إجراء المشاورات اللازمة، ومعهم بالطبع كل المجموعة العربية، لضمان تمرير القرار والحصول على الأصوات التسعة، التي تؤهله للعرض على مجلس الأمن، وهو ما طالب به الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي شارك في الاجتماع، وأيده الدكتور نبيل العربي، عندما تحدث عن «الحاجة إلى موقف عربي موحد، يتم فيه تقييم الموقف من الدعم الدولي اللازم، لاستصدار قرار جديد في الوقت المناسب، ويكون قابلا للتنفيذ».
وظني أن أدوات التحرك العربي ستكون مختلفة، وستستفيد من أخطاء المحاولة السابقة، ألم يكن هناك تغيير كبير في المطالب العربية، وهي العمل على التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل خلال عام، وانسحاب إسرائيلي كامل، من الأراضي الفلسطينية المحتلة بحلول نهاية 2017، والدعوة إلى وجود دولتين، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وإنهاء البناء الاستيطاني في الضفة والقدس الشرقية.
ودعونا نعترف، بأن ما حدث في مجلس الأمن، كان «نصف مفاجأة» للطرف الفلسطيني، فقد كانت كل الحسابات، تشير إلى أنها قد تكون قادرة على جمع الأصوات التسعة، ولكن كل التوقعات كانت مبنية على استخدام واشنطن للفيتو، إذا وصل القرار للمجلس مما ساعد ذلك على دفع السلطة لتجهيز بدائل، صحيح أنها ستجرب نفس المسار مرة أخرى، ولكنها على الفور قامت بتفعيل البدائل ومنها الانضمام إلى 20 منظمة واتفاقية دولية، ومنها اتفاقيات خاصة بالجريمة المنظمة، والنفايات الخطرة ، والحد من انتشار الأسلحة النووية، وأهمها رقم 10، والخاصة بنظام روما الأساسي المحكمة الجنائية الدولية، وتكمن أهميتها وفقا للرؤية الفلسطينية في التعامل مع الجرائم التي ارتكبتها دولة الاحتلال، وتقديم قادته ومستوطنيه إلى العدالة الدولية، في جرائم ضد الإنسانية، ويدرك عباس أن هناك مخاطر من تلك الخطوة، على الجانب الفلسطيني، ولذلك كان حريصا على ألا يكون قرارا منفردا، وسعى إلى الحصول على موافقة كل الفصائل الفلسطينية قبل تقديم الطلب، ومنذ فترة، وما توقعه عباس وجده، فقد صرح مسؤول أمني إسرائيلي بأن «الزبدة مدهونة على رأس أبومازن ورفاقه، وهم من قرروا الخروج إلى الشمس»، وقد أعلنت إسرائيل أنها قادرة وفي خلال أيام على أعداد ملفات مدعومة، وبوثائق وأدلة تدين القيادة الفلسطينية بارتكاب جرائم حرب، وهناك طواقم تعمل منذ شهور على تلك القضية. رغم أن إسرائيل جن جنونها بعد إعلان المحكمة بدء الاستعداد للتحقيق في عدوانها على غزة.
وفي إطار لعبة «عض الأصابع» بين السلطة وإسرائيل، جاء رد فعل الجديد بقرار نتنياهو بعدم تحويل مبلغ 130 مليون دولار، هي العائدات التي يتم تحصيلها لصالح السلطة الفلسطينية، بل وطالبت إسرائيل السلطة بديون وصلت إلى 400 مليون دولار، حصيلة استخدام الكهرباء من إسرائيل، وقد حاولت السلطة الفلسطينية، ومن خلال الاجتماع الوزاري العربي إلى تنشيط القرار السابق وتفعيله، بتنفيذ التزامات الدول العربية الخاصة، والتي تقدر بـ100 مليون دولار شهريا، لدعم الموازنة الفلسطينية في مواجهة القرار الإسرائيلي، ويرد عباس بوقف التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، وإنهاء كل أشكال التعاون بينهما.
ولم يبق في جعبة السلطة من بدائل سوى تنفيذ تهديد عباس بحل السلطة الفلسطينية، وهو قد أشار تلميحا وتصريحا في عدة مرات بذلك، وآخرها أمام وزراء الخارجية العرب، عندما قال نحن سلطة من دون سلطة، ودولة من دون مقومات الدولة، وأضاف «نحن دولة تحت الاحتلال، كل أعباء الاحتلال مسؤول عنها الدولة المحتلة»، وتتفاوت الآراء حول مدى جدية طرح محمود عباس في هذا الإطار، من يرى أنه مناورة، وتهديد بلا معنى، والبعض الآخر يتعامل على أنه خيار متأخر كثيراً، من خلال إدراك الجميع بغياب السلطة الفعلية التي تجعل عباس نفسه، كما سمعته منه شخصيا، يتحدث عن حصوله على تصريح بالخروج من رام الله في كل زيارة خارجية، وهو نفس الموقف على الجانب الإسرائيلي، البعض يهون من تلك الخطوة، وعدم قدرة أبومازن على القيام بها، والبعض يؤكد على ضرورة التعامل مع الأمر بجدية، ويراها كارثة على إسرائيل، أمنيا، وسياسيا، واقتصاديا.
ويبدو أن «لعبة عض الأصابع»، ستستمر طويلا، دون الاستهانة بالقدرات المحدودة للطرف الفلسطيني، المصر حتى الآن على الخيار السياسي مع إهمال واضح لخيار الكفاح المسلح.
usama.agag@yahoo.com •