ثم ماذا بعد؟
23 مايو 2015 , 12:58ص
هذا ما أرادته الجهة أو التنظيم، الذي قام بالعملية الغادرة التي أودت بحياة ثلاثة من وكلاء النيابة، في شمال سيناء في نفس اليوم، وفي أعقاب الأحكام الأولية التي صدرت في حق قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي تضمنت إحالة أوراق العشرات إلى فضيلة المفتي، في انتظار الرأي الشرعي في أحكام بالإعدام في حق هؤلاء، أن يتم الارتباط السريع والمباشر بين الحدثين، والمحصلة التي يصل إليها ويعززها الإعلام، والأجهزة المعنية أن الإخوان، هم من ارتكبوا الجريمة البشعة والنكراء، والسبب بديهي ومعروف لدى هؤلاء -رغم عدم صحته- الرد السريع والحاسم على أحكام القضاء بالنيل من بعض رموزه، وظني -وليس كل الظن إثما- أن المستفيد الأول من تلك الجريمة، جهة ما أو تنظيم حريص على استمرار تلك الحلقة الجهنمية، من الأحداث التي تتسبب في حالة عدم الاستقرار في مصر، وتأجيل أي حل سياسي لهذا الوضع الذي تعيشه مصر، منذ الثالث من يوليو عام 2013، وسد أي منفذ للتوصل إلى حلول لإنهاء هذا المأساة.
جريمة سيناء تثير عشرات الأسئلة، وفي مقدمتها الخلل الأمني، الذي يجعل من ثلاثة من وكلاء النيابة، هدفا سهلا لمن قام بالعملية. فأين هي الحراسات الأمنية التي يتم توفيرها في منطقة مثل شمال سيناء، تعاني ما تعاني منذ فترة ليست قصيرة لبعض رموز القضاء هناك، ولم نسمع في الأنباء الأولية عن وجود مثل تلك الحراسات. وأيضا ليس من العقل أو المنطق الربط الأوتوماتيكي بين الإخوان وتلك الجريمة، خاصة أن هناك في سيناء تنظيمات إرهابية تعلن مع كل عملية مسؤوليتها عنها، وتتفاخر بذلك، كما أن قواعد تنظيم الإخوان -إذا كانت موجودة-، لم تلجأ إلى أفعال أقل خطورة، ومن ذلك الاحتجاج أو التظاهر، ولم تسجل أي أحداث غير عادية في هذا اليوم، في أي من محافظات مصر، أو حتى المناطق التي اعتادت خروج مظاهرات من تحالف دعم الشرعية، سوى جريمة سيناء.
ولعل جريمة سيناء، وحوداث الإرهاب الأخرى، والأحكام التي صدرت من المحكمة، ومجموعة القضايا المنظورة أمام القضاء، وهي بالعشرات في حق قيادات الصف الأول، الثاني وحتى الرابع لجماعة الإخوان المسلمين، هي ما دفعني ومعي الكثيرون، للتساؤل من منطلق الحرص على مصر الدولة، والكيان والدور، ثم ماذا بعد؟ هل ستستمر الأمور هكذا؟ أليس هناك رجل رشيد، أو جماعة عاقلة، تحاول وقف كل ما يجري، أن توقف تلك السلسلة من عمليات الانتقام والانتقام المضادة، وهي اللغة السائدة في مصر الآن؟ وهل سيتم حل مشاكل مصر، ومواجهة التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية، بمثل هذه الطريقة؟ وإلى متى سيستمر استخدام القضاء في لعبة السياسة، خاصة مع التأثيرات السلبية لذلك على سمعة القضاء المصري في الخارج؟ ومنذ متى شهدت مصر هذا الحجم من أحكام الإعدام التي دفعتها إلى مقدمة الدول في العالم، التي تلجأ إلى مثل هذا العقاب، في عالم يتخلى عنه، في قضية المنيا وصل العدد إلى أكثر من 700 شخص، وتفاوتت الأرقام في قضايا أخرى، حتى وصلت في القضيتين الأخيرتين إلى 126 حكما، من بينهم قيادات من حماس وحزب الله.
السياسة عامل أساسي في كل القضايا المطروحة، ويكفي النظر إلى تواريخ بدء النظر في القضيتين، الأولى المسماة إعلاميا الهروب الكبير، ظهرت إلى العلن يوم 26 يوليو 2013، أي بعد حوالي ثلاثة أسابيع من عزل الدكتور محمد مرسي، وسط مطالبات دولية لمعرفة مكان احتجازه وأسبابها، فكان من المهم استكمال الشكل بالإعلان عن التحقيق معه في تلك القضية، التي بدأت أثناء وجوده كرئيس للجمهورية، في محكمة جنح الإسماعيلية، في موضوع لا علاقة له بالقضية، والذي دار حول أحد الأشخاص الذي يشكو من تشابه في الأسماء مع أحد المسجونين، وحولها القاضي خالد المحجوب إلى جناية، أما القضية الثانية، فقد بدأ أول فصولها في 22 ديسمبر من نفس العام، نتيجة تحريات قام بها المقدم محمد مبروك من مباحث أمن الدولة، ومنذ عام 2005، حول اجتماعات تعقد في دول أخرى، منها تركيا وغيرها، وتواصلت تلك التحريات إلى ما قبل ثورة يناير 2011، وقد تم اغتياله على يد تنظيم أنصار بيت المقدس فيما بعد.
والتساؤلات عديدة، ومنها مثلا، إذا كانت تحريات الأمن الوطني صحيحة وبتلك الدقة فكيف سمح لمحمد مرسي أن يمارس العمل السياسي، في خلال تلك الفترة، ويرأس حزب الحرية والعدالة، بل ويخوض انتخابات المنصب الأرفع في مصر، بل ويفوز بها، ويستمر في منصبه لمدة عام، مع أن أحد الأجهزة الأمنية لديه من الوثائق ما يفيد أنه يتخابر مع أجهزة ودول أجنبية، لماذا تم تجاهل معلومات بهذه الخطورة، أثناء وجود المجلس العسكري في السلطة؟ والذي يجعلنا نتعامل بتحفظ مع التحريات، الإشارة إلى وجود متهمين في قضية اقتحام السجون، من حركة حماس، ومنهم حسام الصانع وقد استشهد في عدوان إسرائيل على غزة في عام 2008 ومنهم تيسير أبوسنيمة واستشهد في نفس العدوان، ومحمد أبولبدة وهو متوفى عام 2005، وهناك علي حسن سلامة وهو معتقل في سجون إسرائيل منذ العام 1996، ويستطيع القضاء المصري أن يأمر الحكومة بالسعي لدى الجهات المعنية للتأكد من تلك المعلومات، طوال فترة التقاضي، حتى رائد العطار وهو المتهم رقم 2 في القضية، استشهد في العدوان الأخير في العام الماضي، وكان من الممكن إخراجه من قائمة الاتهامات، كما هو الحال مع الدكتور فريد إسماعيل.
السؤال الآخر، يتعلق بمسألة تورط قيادات إخوانية في اقتحام السجون، كيف يستقيم ذلك؟ وكانوا جميعا قد تم القبض عليهم، في إجراء احترازي من أمن الدولة، بعد أيام من تظاهرات 25 يناير، هل يمكن لمن هو داخل السجن أن يخطط لاقتحامه؟ كما أن المداخلة التي قام بها الدكتور محمد مرسي بعد خروجه من اقتحام السجن وخروجه منه مع قناة الجزيرة، دليل براءة وليس إدانة، فقد أعلن عما حدث، وأنه لا يعرف لمن يتوجه، كما أننا لم نسمع حتى الآن أي تحقيقات جرت حول كيفية دخول عناصر حماس، حتى من الأنفاق مع قطاع غزة، ووصولها إلى سجن وادي النطرون، وأين كانت الأجهزة المعنية؟ يقال إن الشرطة انهارت يوم جمعة الغضب في 28 يناير، وقد يكون الأمر صحيحا، ولكن ماذا عن الدولة، عن بقية الأجهزة المعنية، بحفظ أمن الحدود، والنقاط المنتشرة في أنحاء الجمهورية، كما أن كل الشهادات التي قدمت في المحكمة في القضية، لم تجزم بتورط عناصر من حماس في عملية اقتحام السجون، والكل يعرف أنها كانت إحدى وسائل وزارة الداخلية لخلق حالة من الفوضى في البلد.
أتمنى مخلصا، أن تخرج مصر من تلك الدائرة الجهنمية، فأحكام التاريخ تقول إن العنف لا يولد سوى العنف، وإن طريق الخلاص يمر بالبحث عن مصالحة حقيقية، والقبول بالآخر.