alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

القاتلان.. الظن والشك!

23 مارس 2016 , 02:22ص
هل أدلكم على أقصر طريق لقطع الصلات وإفساد العلاقات بين القلوب؟! إنه سوء الظن، مفرق الأحبة، وجالب الهموم والغموم، قديما قال صاحبي أبوالطيب المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدّق ما يعتاده من توهم!
ما أسوأ سوء الظنون! يرتكب المرء الحماقات ويتمادى حتى يسوء ظنه بمن حوله وبمن يحبه، فيصبح أسيرا لظنون كاذبة خاطئة، وتحيط به الأوهام الرهيبة من كل مكان فيصدقها، ويبني عليها أفعاله وأقواله، فيعادي محبيه، ويصدق كل ما يقوله الوشاة، فيُظْلِم عليه قلبه وفكره وحياته، فكأنه في ليل حالك السواد لا نور فيه، قال أبوالطيب مكملا:
وعادى محبيه بقول عداته
فأصبح في ليل من الشك مظلم
ما أعظمك يا أبا الطيب! هل لك معرفة بطب النفوس؟ هل درست (علم النفس)؟ هكذا هي النفوس المظلمة التي استعبدتها الظنون والشكوك والأوهام، أتريد أن تجبر الناس على أن يكونوا خائنين بعد أن لم يكونوا كذلك؟:
وسوء ظنك بالأدنين داعية
لأن يخونك من قد كان مؤتمنا
وفتح الأذن لسماع الحساد مدعاة لسوء الظن، وحينها لا ينفع الندم:
غيرتك الوشاة حتى تغيرت
علينا وصدك الحساد
ومن أقسى الأمور على النفس أن تحتاج إلى تبرير كل قول تقوله وكل فعل فعلته لصاحبك، هنا تتكدر الحياة، فمهما اعتذرت فلن يقبل منك، لأن فكره مريض، كالمريض الذي لا يجد طعم الماء العذب الزلال إلا كطعم العلقم المر، لأن فمه هو المريض، فالعيب ليس في الماء، قال أبوالطيب:
ومن يك ذا فم مر مريض
يجد مرا به الماء الزلالا
ومن عجيب ما شكا منه الشعراء: الشك القاتل، حتى فاضت نفس شاعر عرفه الناس بـ (المحروم) وهو الأمير عبدالله الفيصل، رحمه الله، بهذه الأبيات التي سميت (ثورة الشك):
أكاد أشك في نفسي لأني
أكاد أشك فيك وأنت مني!
ويعترف بكلام الناس الذي يمزق الأعصاب، لكنه كله مبني على الشك:
يقول الناس إنك خنت عهدي
ولم تحفظ هواي ولم تصني
وصور شكه بما ينبئ عن نفسية حائرة مضطربة لا تكاد ترى غير المتناقضات:
يكذب فيك كل الناس قلبي
وتسمع فيك كل الناس أذني
الشك قاتل، يقض المضجع، ويشيب ناصية الصبي ويهرم:
وكم طافت علي ظلال شك
أقضت مضجعي واستعبدتني
ويمضي مع خياله المؤرق:
كأني طاف بي ركب الليالي
يحدث عنك في الدنيا وعني!
ويعود لمغالطة النفس مرة أخرى:
على أني أغالط فيك سمعي
وتبصر فيك غير الشك عيني!
أما أعظم بيت في هذه الملحمة الباكية:
وما أنا بالمصدق فيك قولا
ولكني شقيت بحسن ظني!
ورغم كثرة الشكوك فإن الحب الخفي المتغلغل في خبايا الفؤاد وسويداء القلب يأبى إلا أن يجعله يفر منه إليه:
وبي مما يساورني كثير
من الشجن المؤرق: لا تدعني!!
وهو في عذاب دائم وشقاء طويل، بين لهيب الشك، وسوء الظنون:
تعذب في لهيب الشك روحي
وتشقى بالظنون وبالتمني
وتنفجر أسئلة الأمير الشاعر لأنها لم تجد في كل ما مضى إجابة:
أجبني إذ سألتك: هل صحيح
حديث الناس خنت؟ ألم تخني؟!
أخيرا:
قال غازي القصيبي:
أمن عاصف يا قلب نمضي لعاصف
ألم يسأم البحار زمجرة البحر؟!
قاتل الله الظنون والشكوك!
ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...