الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
05:12 م بتوقيت الدوحة

قطر.. القوة الناعمة

د. خالد محمد باطرفي
أصيب المذيع المصري بدهشة أودت به إلى صدمة، عندما علم بأن قطر من ملاك الشركة الروسية التي اشترت حصة في الشركة الإيطالية صاحبة الامتياز في حقل الغاز المصري بالبحر الأبيض المتوسط، وصار يكرر نطق الراء وكأنه محرك سيارة تأبى على التشغيل (رررررررر.. قطرررررررر)!
لم ألمْهُ، وتذكرت تعليق الرئيس المصري السابق حسني مبارك عندما شاهد مبنى قناة الجزيرة أثناء زيارته للدوحة وهو يناظر وزير إعلامه (كل دا يطلع من علبة الكبريت دي؟).
وقتها لم تكن قطر قد أينعت دوحتها كما هي اليوم. ولو كانت الطائرة الرئاسية المصرية حلقت فوق الدوحة الجديدة بناطحات سحابها ومجمعاتها التجارية، وشبكات طرقها، ومينائها الحديث، وملاعبها الأولمبية، ثم حطت في مطار حمد الجديد، وتجول الوفد في ردهاته الفاخرة وأسواقه العامرة وخدماته المتميزة، لعبرت التعليقات عن دهشة أكبر مما ما بلغته «الشقيقة الصغرى.. التي لا يزيد عدد سكانها عن طلاب جامعة القاهرة» من تطور ونمو يضاهي ما بلغته دولة متقدمة كسنغافورة.
ولن ألومهم، فمثلهم كنت في دهشتي وإعجابي خلال زيارتين أخيرتين لدوحة العرب، وآخرها للمشاركة في منتدى دراسات الخليج وجزيرة العربية، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحضور حفل افتتاح معهد الدوحة للدراسات العليا والإطلاع على إنجازاته المدهشة، وأبرزها معجم اللغة العربية الذي يعمل على إعداده عشرات علماء اللغة وكبار الباحثين العرب، وتساندهم فرق متكاملة في كافة التخصصات ومنها النشر الرقمي وبالتعاون مع أشهر المكتبات والمراكز العلمية العالمية. ولعل من أكثر ما لفت نظري دقة وسلاسة وجودة التنظيم رغم محدودية عدد المنظمين (الكيف لا الكم سر قطر).
قال لي زميلي الإعلامي الدكتور زيد الفضيل إن قطر أصبحت مركزا عربيا للتفكير والبحث العلمي، فعلقت بل «عالميا»، وهي اليوم تنافس الرياض وجدة وأبوظبي ودبي والبحرين في استضافة المؤتمرات والمعارض والفعاليات العلمية والتعليمية، البحثية والفكرية. وانظر حولك ترى نخبة المفكرين والباحثين في السياسة والاقتصاد والعسكرية، في المال والأعمال، في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية.
عواصم سبقتنا في الحراك الثقافي والعلمي بعقود، تقف الآن إما مشاركة أو متابعة (بدهشة وغبطة) لإنجازاتنا عبر وسائل الإعلام الخليجي المتسيد، الذي بدأ بالجزيرة وواصل بالعربية وانتهى بسكاي نيوز.
مرت بجوار السيارة التي نقلتني من المطار إلى فندق «ريتز كارلتون» سيارة «ميني فان» تزدهي بصور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وعلمي قطر والسعودية، ويرتدي ركابها الشالين الأخضر والعنابي، وترتفع من مكبر صوت أغان وطنية سعودية وقطرية وخليجية. كانت قطر يومها تستعد لاستضافة خادم الحرمين الشريفين بحفاوة رسمية وشعبية طاغية، ويكاد يكون حدث الزيارة حديث كل مجلس وجزءا من كل حوار. ومن ذلك حواري مع جاري في الطائرة القطرية التي حملتني إلى الدوحة من تونس، وقد بادرني بالود والاحتفاء كطبع كل قطري قابلته، وخاصة تجاه «أهلنا في السعودية».
قلت له إنني فخور بما حققته الخطوط القطرية من نجاح أوصلها للمراتب الأولى بين خطوط الطيران العالمية، لا ينافسها في ذلك إلا شركات شقيقة، الاتحاد والإمارات، وشركات آسيوية سبقتنا بعقود كالسنغافورية. فقال إنه فخور برعاية «القطرية» لناديي برشلونة والأهلي السعودي! ثم عرفني بنفسه بعد أن غمرني بثقافته وتواضعه وحفاوته، لأكتشف أنه رئيس تحرير صحيفة «العرب» والكاتب المعروف عبدالله العذبة، كما عرفني بزملائه من كبار رجال البنوك والأعمال في قطر، وهم جزء من وفد شارك في مؤتمر الاستثمار في تونس التي تساهم فيه السعودية وقطر بنصيب وافر من الدعم لتنمية الدولة العربية الشقيقة.
مكانة قطر وأهمية منتداها وحراكها الثقافي تبرزه مشاركة زملاء أعزاء وأساتذة كبار من مستوى د.خالد الدخيل، د.محمد سالم الصبان، د.عبدالعزيز بن صقر، د.فهد العرابي الحارثي، د.محمد المسفر، د.عبدالله الشمري، د.عبدالله الشايجي، د.محمد الرميحي، وغيرهم من نجوم الساحات السياسية والاقتصادية والإعلامية العرب والأتراك الذين أحيوا هذه المناسبة ببحوث وأوراق عمل قيمة، حضرها مئات المشاركين من الباحثين والطلاب، النساء والرجال، الكبار والشباب.
عدت من هذا العرس الثقافي الخليجي، والدوحة تحتفل بزيارة الملك سلمان، ثم بلقاء برشلونة الأهلي، بكامل نجوم الفريقين، وتختم ذلك باحتفالات يومها الوطني، الذي أوقفت مظاهرها إكراما لحلب وأهلها. تهانينا لشقيقتنا قطر، وتحية لأميرها الشاب البشوش المضيء الموفق، تميم، ومحبة وتقدير لدوحة العرب وأهلها الكرام الطيبين. وكل عام وهم أنجح، وأجمل.. وأكرم.