الجريمة الكاملة..!
22 نوفمبر 2014 , 07:24ص
ذكريات عديدة أثارها حضوري احتفال مؤسسة ياسر عرفات بمرور عشر سنوات على استشهاد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، والذي أقيم بالقاهرة، بتواجد رسمي وعربي رفيع، وهذا أمر يبدو طبيعيا، ولكن الأهم في نظري تلك الآلاف من الجالية الفلسطينية التي حرصت على المشاركة أسر بأكملها بأبنائها وأطفالها، معظم الحضور من الشباب الذي لم يعاصر عرفات سوى في أعوامه الأخيرة والتي مثلت أحد أخطر أوجه الأزمة الفلسطينية، ولعل الاحتفال، وبهذه الصورة، يؤكد أن عرفات كما هو بالنسبة لكل الفلسطينيين، ما زال يمثل رمزا للقضية، والذي نقلها إلى أرجاء المعمورة، كما أن مرور السنوات العشر، يدفعنا إلى طرح السؤال اللغز، الذي يستعصي على الفهم، والذي ظل وبدون إجابة حتى الآن، من اغتال أبوعمار؟ الكل على يقين بهوية القاتل وشخوصهم، وحتى الأدوات التي تم استخدامها في الجريمة، ولكن الغريب في التعامل مع القضية من خلال الشواهد والتحليل وبعض القرائن، دون إشارة واضحة للقاتل، وهو في هذه الحالة كل قادة إسرائيل بلا استثناء، فالتخلص منه كان هدفا توحد عليه الجميع، مهما اختلفت توجهاتهم، أو انتماءهم الحزبي، دون استبعاد تورط قيادات فلسطينية نافذة، من رجال ساهم هو شخصيا، في الدفع بهم إلى تصدر المشهد السياسي.
معرفتي بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، تعود إلى أكثر من 30 عاما، التقيته المرة الأولى في عرض البحر المتوسط، أمام مدينة بورسعيد في عام 1983، عندما تم إجباره على الخروج الثاني من لبنان، وهذه المرة من مدينة طرابلس عبر البحر، يومها قرر عرفات أن تكون وجهته للقاهرة، في إشارة واضحة بأن لم يعد هناك ما يستدعي مقاطعة مصر، أو تجميد عضويتها في الجامعة العربية، وهو القرار الذي اتخذ في القمة العربية في بغداد في عام 1979، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، قراءة عرفات للمشهد العربي في ذلك الوقت أن هناك حاكما جديدا في مصر هو حسني مبارك، حريصا على استعادة علاقات مصر العربية، كما أنه لا أحد ينكر الدور التاريخي لمصر الدولة تجاه القضية الفلسطينية، فكان قرار التوجه إلى القاهرة عبر بورسعيد على متن سفينة تم حمايتها من القطع الحربية الفرنسية والمصرية بعد دخوله المياه الإقليمية، ومنذ ذلك التاريخ تعددت اللقاءات مع أبوعمار، في العديد من العواصم العربية، وأجريت معه حوارات صحفية عدة مرات في القاهرة وتونس ورام الله وغزة، وكان آخرها في مقره بالمقاطعة، بعد أشهر من الهجوم الذي استهدفه شخصيا، بعد أن وصلت الدبابات الإسرائيلية، إلى بعد أمتار عن مكتبه يومها قضيت معه عدة ساعات، بحضور نبيل أبوردينة وتوفيق الطيراوي مدير الاستخبارات الفلسطينية في ذلك الوقت.
وخلال تلك الزيارة، تكشف لي البعد الفلسطيني في المؤامرة على عرفات، بمحاولة انقلاب ناعم، في صورة فاكس موقع عليه من بعض القيادات الحالية داخل السلطة، طالبوه بالاستقالة والتنحي، خاصة أن إسرائيل كما قالوا لن تتركه بعد أن أصبح وجوده يمثل عقبة في إمكانية التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، وغيابه عن تصدر المشهد، كفيل بانتهاء حجة إسرائيل. يومها غصب عرفات غصبا شديدا من تلك الطعنة في الظهر ومن أقرب رجاله، ولكنه استطاع أن يدير الأزمة بهدوء، بعد استنفار قيادات تاريخية، داخل منظمة التحرير التي أساءها ذلك الموقف وتمكنت من محاصرة الأزمة.
أما عن البعد الإسرائيلي في اغتيال عرفات فلم يكن وليد اللحظة، بل سبقته محاولات عديدة وبالعشرات، تم إجهاضها حتى كانت الأخيرة، والتي تم اتخاذها قرارها هذه المرة، منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، عندما رفض عرفات وقاوم بشدة الاستجابة لضغوط واشنطن وتل أبيب، لتقديم تنازلات في قضية القدس والمستوطنات، واتخذ القرار مسارا جديدا، منذ الأيام الأولى من الانتفاضة الثانية، عندما اقتحم شارون المسجد الأقصى، حيث أعلن باراك الحرب عليه، ووصف عرفات بأنه «إرهابي ومجرم يقود منظمة إرهابية» واتخذت الحكومة الإسرائيلية في عام 2001، قرارا عبر المجلس الوزاري المصغر، بمواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد ناشطين فلسطينيين، «وأنه لا أحد من الفلسطينيين محصن أمام الاغتيال»، وقد أشار شارون في عام 2004 إلى أن عرفات سيغيب عن المشهد السياسي قبل هذا العام، وأن أبوعمار ليس مؤمنا عليه، وأنه يسحب وعده للرئيس الأميركي جورج بوش بعدم إيذائه، كما صرح إيهود أولمرت وزير الاتصالات أن حكومته لم تستبعد بعد خيار قتل ياسر عرفات، بل ووضعت الخارجية الإسرائيلية وثيقة، كشفت عنها الإذاعة الإسرائيلية، في منتصف يوليو من نفس العام، أشارت إلى وجود ثلاثة احتمالات لموت عرفات، قتله في عملية عسكرية، أو وفاته بشكل طبيعي، أو بعد مرض طويل، ويبدو أن إسرائيل اختارت الاحتمال الثالث، وبدا الحديث عن مرحلة التمهيد لما بعد عرفات، ودعم المستعدين لتولي السلطة، وأوصت وزارة الدفاع بدعم القيادة الفلسطينية الشابة من فتح، أمثال محمد دحلان وجبريل الرجوب، لكبح تعاظم قوة حماس.
ويثير تقرير من الجامعة العربية، العديد من علامات الاستفهام حول أسلوب التعامل مع مرض عرفات، في الأسابيع الأخيرة، ومنها أنه لم يتم استدعاء طبيبه الخاص سوى بعد 15 يوما من مرضه، ولم يتم نقله إلى مستشفى رام الله، رغم نصائح الأطباء المتكررة، ولم يتناول المضادات الحيوية سوى بعد أسبوعين، وبعد تأخر حالاته، كما فقدت العينات الخاصة ببطانة المعدة، التي أخذها الأطباء في رام الله، وكان من المقرر إرسالها إلى عمان، كما لم يتم إجراء فحص على السموم، قبل سفره إلى فرنسا، كما رفض المقربون من عرفات التصريح للأطباء العرب بأخذ عينة من الكبد دون سبب واضح.
كل ذلك يؤكد عدم منطقية الوفاة الطبيعية، والأرجح أننا أمام عملية اغتيال متكاملة، عن طريق السم، وتظل إسرائيل المتهم الرئيسي، ساعدها طرف ما داخل السلطة، بالتباطؤ في علاجه، وتشير معظم التقارير إلى أن سبب الوفاة هو تسممه بمادة البولونيوم، وهي عنصر مشع ونادر الوجود، ولا ينتج إلا من قبل الدول التي تملك مفاعلات نووية، خاصة أنها مادة شديدة السمية، نتيجة إصدارها جسيمات تقضي على جهاز المناعة في الجسم، إذ يكفي 10 ميكروجرامات من تلك المادة، لقتل إنسان بالغ، ولا تتم الوفاة مباشرة، بل يبقى في الجسم فترة 50 يوما كحضانة، ويتدرج المرض وتتدهور صحته ليموت بعد تلك الفترة.
وبعد نحن أمام إحدى قضايا الاغتيالات التاريخية الكبرى، والعجيب أن أحدا على المستوى الفلسطيني أو العربي أو الدولي، لم يتحمس لفكرة تشكيل لجنة تحقيق دولية كما كان الحال مع اغتيال الشهيد رفيق الحريري رئيس الوزراء الأسبق، رغم أن تونس أثارت القضية، بعد الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة الجزيرة في يوليو من عام 2012 ، مما دفع الجامعة العربية لتشكيل لجنة للإعداد لملف قانوني، تمهيدا للدعوة إلى تشكيل لجنة مستقلة ومحايدة على مستوى الأمم المتحدة للتحقيق في اغتيال القضية وتوقف الأمر عند هذا الحد، دون أن يتم تطوير الموقف أو الذهاب إلى مجلس الأمن.
وما زالت المؤامرة مستمرة مرة بالاغتيال، وأخرى بالصمت ومن الجميع.
usama.agag@yahoo.com •