الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
06:19 ص بتوقيت الدوحة

عن الطائفية في غمار فتنتَي سوريا والعراق

عبدالوهاب بدرخان
تبدو المجتمعات العربية، على اختلافها، كما لو كانت متفاجئة بهذا التصاعد المحموم للشأن الطائفي. يكاد البعض أن يقول إنها «ظاهرة غريبة»، فيما يقدمها بعض آخر باعتبارها من رواسب الماضي التي عفا عليها الزمن، فيما يجتهد كل طرف في الصراع الطائفي هنا وهناك لاتهام الطرف الآخر بالتخلّف والمسؤولية عن الانحدار إلى هذا الدرك غير الحضاري. غير أن الطائفية لم تأت من فراغ. لم تهبط لتوّها من السماء، ولا انقذفت من فوهة بركان ثائر، ولا استفاق القوم يوماً ليجدوا أن ثمة واقعاً جديداً انفرض عليهم كما بسحر ساحر. الطائفية كانت ولم تغب، ولا يبدو أنها ستغيب في مستقبل قريب. لعلها ظلّت ماثلة وظاهرة ومعاشة في عديد من المجتمعات، أو ذائبة في مختلف تصاريف الحياة في مجتمعات أخرى. قد يقال: إنها هنا غائرة في الأرض، في الدم، في الجينات، وإنها هناك علنية، نافرة، فاقعة، ومعتمدة كوسيلة للحكم والإدارة. أي أن الطائفية موجودة في كل الأحوال، لكن يُحسب لهذه الدولة أو تلك أنها حاولت وتحاول، بخطط واعية ومدروسة أو من دون أي خطط، تجاوز ما بات في أذهان كثيرين أقرب إلى «الوباء» منه إلى الحقائق الاجتماعية. وبديهي أن هذه الاجتهادات نجحت جزئياً أو أخفقت كلياً في تلطيف الإشكال الطائفي المذهبي. وفي المقابل لا بدّ أن يُشار إلى الدول التي اتخذت، على العكس، من الاستقطاب الطائفي منهجاً للاستحواذ على السلطة وتركيزها في أيدي جهة ضد جهات عدة، متجاهلة أن هذا الأسلوب قد يحقق نجاحاً على المدى القصير وإنْ طال، وأن مفسدة الاستئثار ستؤول بمثل هذا الحكم إلى كارثة محققة لا تنال فقط من الجهة المحتكرة بل تمسّ أيضاً ما تسمّيه «مقدّسات» لها. لا يغيب عن البال أن الأصل في الطائفية هو الديانة، لكن يجب التنبيه أيضاً إلى أن الطائفية ليست التديّن أو التزام الفروض الدينية. ولا يغيب أيضاً أنها تُدرَس كأحد العناصر المكوّنة لـ «الهوية»، أو أنها من محدّدات الانتماء والاجتماع، وأنها بهذا المعنى تتحكّم بالمفاهيم العامة، بالقيم، بالأخلاق العامة، بالعادات والتقاليد، وصولاً إلى كتابة الدساتير التي يفترض أن تضبط مجمل الممارسات أهل السلطة والسياسة في العلاقة مع الشعب أولاً، وبالتالي في العلاقة مع العالم الخارجي. والواقع أن ظواهر التناقض باتت كثيرة إلى حد أنها كشفت وجهين أو أكثر لكيفية تطبيق المبادئ ذات الخلفية الدينية المفترضة: فالحاكم قد يكون دينياً في سوس الشأن الداخلي للحفاظ على النعرة الطائفية، فيما يدير العلاقة مع الخارج على نحو يتقصد إظهار «علمانية» ليست أصيلة عنده إلا أنها تساعده على تدعيم سلطته. رأينا في تجربتي النظامين، العراقي السابق والسوري الآفل، نموذجين نافرين منفّرين لما يمكن أن يؤدي إليه احتقار حقائق المجتمع من صراعات دموية، ولما يمكن أن تكون عليه سياسة الكذب والتكاذب مع الخارج. وقبل ذلك شهدنا ما آلت إليه الحرب الأهلية في لبنان، رغم أن الطائفية معترف بها في هذا البلد حتى إن البعض يعتبر مأسستها ودسترتها بمثابة رعاية لـ «التوازن» الوطني وحماية للتعايش بين المكوّنات. بل عايشنا أيضاً طيلة عقود وقائع حرب في السودان، متقطعة بهدنات واتفاقات وحكومات وفاقية، أدّت في نهاية المطاف إلى تقسيم فعلي لا يتوقع له أحد أن يريح أياً من السودانَين. كذلك وجدنا أن العقدين الأخيرين كانا شديدي الوطأة على أقباط مصر الذين يعيشون هجرة نزيفية غير مسبوقة يأساً من أوضاعٍ سياسية واجتماعية لم تعد مشجعة على البقاء. واقع الأمر أن الصراعات الطائفية تطرح حيثما توجد احتمالات التقسيم، التي لا تضمن أي سلام وإنما تعني عملياً دوام الصراعات ولو بأشكال مختلفة. لكن المسألة الأهم التي تلفت إليها هذه الصراعات هي فشل نخب الحكم والسياسة في بناء الدول القائمة على المؤسسات وسيادة القانون والاعتراف بالمواطنة كعنوان أول للهوية والانتماء. في الحقبة التي تلت مرحلة نيل الاستقلال هيمن العسكر على السلطات ويُعتبرون مسؤولين عن العبث بالطائفية (أو بالتناقضات المذهبية أو بالتعددية القبلية) واستخدامها لممارسة سياسة «فرّق تسد»، إلى أن بلغت انتهازيتهم حدّ تكفير المواطنين بأوطانهم بعدما كفرت الأنظمة العسكرية أو المتعسكرة بشعوبها. وفي مرحلة التحوّلات الراهنة يتحمّل الإسلاميّون مسؤولية إجهاض ثورات الشعوب، سواء بالسعي إلى إقامة «دول إسلامية» كمنهج تجريبي لاستعادة «دولة الخلافة»، أو بالحؤول دون نشوء دول ذات أنظمة مدنية وسيطة تضع الشأن الديني في موضعه الصحيح من دون تعريضه لالتباسات السياسة، لذا يُخشى أن تؤدي هذه التجربة كسابقاتها إلى تكفير المواطنين ثانيةً بأوطانهم لئلا نقول بدينهم نفسه طالما أنه جُعل سبباً للانقسامات السياسية والاجتماعية. لعل الحدث العراقي الضاغط، بالتزامن مع المأساة السورية المتمادية، يوفّران مثالين لما تعنيه الطائفية في التحكم بمستقبل بلدين عربيين مهمّين. فالشعبان بمختلف انتماءاتهما يعانيان من فشل ذريع للنظامين في إدارة التعدد من جهة وفي توطيد الأمن والأمان للجميع من جهة أخرى. وتُعزى المسؤولية إلى النظامين لكونهما كانا (ولا يزالان لكنهما فقدا الشرعية الفعلية) في سدّة الحكم وصنع القرار، ولم يدركا أن السلم الوطني أسمى المسؤوليات والواجبات، وأن لـ «الأجندة الوطنية» أولوية على أي أجندة أخرى حتى لو كانت لحليفهما الأكبر: إيران. بل الأسوأ أن يستخدما القوة والبطش والشحن الطائفي/ المذهبي لسفك الدماء وسيلة للحفاظ على سلطة هي أيديهما، لكنهما أخفقا في إدارتها. فالإخضاع بالقوة كان وارداً في عصور غابرة لحسم الصراعات الطائفية، أما اليوم فلا سبيل إلى حسمها سوى بالحوار والمصالحة ومشاركة الجميع في الحكم من دون إقصاء.