الإثنين 28 رمضان / 10 مايو 2021
 / 
08:37 ص بتوقيت الدوحة

سورة قلبت الموازين «1»

مبارك الخيارين

تعتبر سورة التوبة من السور المفصلية التي قلبت الكثير من الموازين ووضعت النقاط على الحروف، وتم إصدار الأحكام النهائية على كثير من الأمور، وبها انتقل الإسلام من مرحلة إلى مرحلة أخرى مختلفة تماماً، وبناء على ذلك سوف أخصص المقالات اللاحقة لتناول سورة التوبة، من مختلف الجوانب، حيث نبدأ اليوم بالمقدمات، وهي إعلان الإنذار الشامل، كما جاء في قوله تعالى: 
«بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ».
تم إطلاق الإنذار الشامل المحدد لفترة 4 شهور لجميع المشركين بدون استثناء، وذلك ليأخذوا احتياطاتهم، ويراجعوا مواقفهم، قال تعالى: 
«فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ٭ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ».. لقد تم إعلان حالة الحرب والأعمال العسكرية بعد انتهاء المدة المحددة «لكل المتربصين والمحاربين والداعمين» بالقتل المباشر والقبض وتشديد الحصار على حركتهم وتنقلاتهم، ونشر كافة نقاط المراقبة، وهذه الضربة القاضية للتواجد غير الإسلامي «القوي والمنظم» في الجزيرة العربية، بحيث تبسط الدولة الإسلامية قوتها وأنظمتها بكل أريحية، فإذا تم ذلك فقد «زالت موانع الإيمان»، من خلال حرية اتخاذ قرار الإسلام دون خوف من قبيلة أو أي قوة كافرة قد تمنع ذلك كما كان سابقاً، والدليل أن طلب التوبة يكون حال «الارتياح النفسي» والطواعية الكاملة والإرادة الحرة لمن يريد الدخول في الإسلام، والتي لا نجدها في حالة ما قبل هذه الآية، والتي أخفى فيها الكثير من الناس إيمانهم خوفاً من قبائلهم أو السلطة التي تحكمهم «وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ»، أي إن هناك مؤمنين خلف خطوط العدو لا يستطيعون إعلان إسلامهم بسبب القهر، ولذلك كله تم إعلان حالة الحرب لإنهاء هذه الحالة. وفي معرض ذلك جاء بيان الحالة العدائية المتأصلة لدى المشركين بقوله تعالى: «كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ».
فهنا يتم الكشف عن «الحالة العدائية» المتأصلة في ذهنية المشركين والكفار، بالرغم من العبارات الجميلة، والعلاقات الدافئة، والتعاون المشترك، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن والسلم العالمي، فالتاريخ أثبت أن كل الأمم التي تغلبت على المسلمين «توحشوا» في التعذيب والتنكيل.. فالإسلام كعقيدة ومشروع حياة «كتبت محاربته»، لذا يحتاج لدولة قوية تحمي أتباعه، وتؤمّن حركتهم لتطبيق إسلامهم ونشره، وهنا جاء الجهاد لتشكيل قوته الرادعة «فارهبوهم» لتعمل كالجدار الحامي لها، وهذا يفسر حالة الحرب التي أعلنت سابقاً وأسبابها. 
فعداوة المشركين ليس لها تاريخ انتهاء، ولذلك الأمم الحية تحتفظ بذاكرة قوية لأحداثها وتجاربها لتبني عليها مستقبلها.