بلبلة العرب لا تردع همجية إسرائيل في الأقصى
21 سبتمبر 2015 , 02:14ص
ماذا سيفعل الحاخامات والوزراء الإسرائيليون و «بلطجية» المستوطنين لو أن العرب المسلمين والمسيحيين أرادوا اقتحام كنيس يهودي بحجة الصلاة فيها طالما أنها أماكن للعبادة؟ طبعاً، هم لن يفعلوا، لأنهم يصلون في مساجدهم وكنائسهم، لكن الافتراض جائز، والردّ عليه سيكون بالقتل والعنف الوحشيين اللذين أصبحا من السمات الملازمة للإسرائيليين. وسيقال عندئذ إن اقتحام الكنيس اليهودي عمل همجي يخالف الشرائع، وانتهاك للأعراف، وتدنيس للأماكن المقدّسة. والأكيد أن الرأي العام العالمي سيستهجن الاعتداء، وسيرى رد الفعل المفرط مبرّراً، لأن المسّ بالمعابد لا يقرّه أحد، فحتى المتنوّرين من علمانيين ولا دينيين يحترمون هذه الأماكن في إطار احترامهم لمعتقدات الآخرين وحرياتهم. لكن ماذا عن الهجوم اليهودي على المسجد الأقصى ظل تحت مستوى أهميته، وهذا يعطي الإسرائيليين ضوءاً أخضر للمتابعة.
في الأعوام الأخيرة كانت هناك أطراف ثلاثة ارتكبت مثل هذه الهمجية: إسرائيل والنظام السوري وتنظيم «داعش». لم تترك زمرة المتعصبين في حكومة إسرائيل مجالاً واحداً من دون أن تمارس فيه تطرّفها الأعمى، من حرب الإبادة في غزة إلى سرقة مزيد من أراضي الفلسطينيين وتدمير بيوتهم واقتلاع أشجارهم، إلى ما يسمّى زورا عملاً تشريعياً لقوننة احتقارها حقوق الإنسان وحماية القتلة ومجرمي الحرب، إلى تدشين عملية يشرف عليها الأمن الرسمي لانتهاك المسجد الأقصى وتكريس الاستيلاء عليه من خلال اقتحامات منظمة. أما النظام السوري فيقصف بالصواريخ الباليستية المناطق الآهلة والمساجد التي يلجأ إليها المدنيون آملين في أن تكون ملاذاً آمناً لهم، وما لا تصيبه الصواريخ يستهدفه القصف الجوي المركّز وتجهز عليه البراميل المتفجّرة. وأما «داعش» فهو يعلن بكل اعتيادية أنه انتهك كنائس مسيحية واستولى على معابد أيزيدية، فضلاً عن أنه لا يولي اهتماماً بالمساجد الإسلامية.. ولا شك أن التشابه بين الحالات الثلاث يصفع العيون، وكأن بين أصحابها تفاهماً ضمنياً تثبته الوقائع ونتائجها حتى لو لم يكن مؤكداً واقعياً.
هل يعني الاعتداء المتكرر على المسجد الأقصى في القدس الشريف شيئاً آخر غير همجية تمارسها «دولة» لا تزال الأمم المتحدة تعترف بـ «شرعيتها»، ولا تزال الولايات المتحدة تحمي جرائمها وانتهاكاتها. وهل يعني شيئاً آخر غير أن هذه الدولة المسمّاة «إسرائيل» مصرّة على أن تكون خارج القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية والأعراف الحضارية من دون أن يحاسبها أحد، بل هل يعني شيئاً آخر غير أنها اختارت أن تصب الزيت على نار التطرّف والعنف التي تجتاح المشرق العربي؟ ثمة حرمة للأديان تعارفت عليها البشرية، ولم ينتج عن انتهاكها أو الاستخفاف بها وتجاهلها سوى حروب وثارات وأحقاد تستغرق أجيالاً حتى تهدأ. ولا شك أن حرق الأطفال وهم نيام والاعتداءت على المسجد الأقصى لم تعد مجرد تهوّر أفراد مهووسين، بل صارت تعبيراً عن انحطاط أخلاقي لأمّة بأكملها، طالما أن نخبها ورعاعها تسابقوا إلى تبرير هذه الجرائم.
هذا انحطاط يتمتّع برعاية أميركية لا تبوح باسمها، كيف؟ اقرؤوا التعليق الوحيد لواشنطن على الحدث بلسان ناطق الخارجية قال: إن بلاده «تشعر بقلق عميق من زيادة العنف وتصاعد التوتر في محيط الحرم الشريف/ جبل الهيكل». فـ «العنف» عند الخارجية الأميركية هو عنف الجميع، المعتدي والمعتدى عليه الذي يدافع عن نفسه، وهذا في حد ذاته مجاملة مجانية للمستوطنين المتطرّفين وحكومتهم. و «التوتر» عندها ليس ناجماً عن فعل الاقتحام الذي ينفذه عسكر إسرائيلي لمصلحة المهاجمين وإنما عن تصدّي الفلسطينيين لمن يكسرون أبواب مسجدهم ويدنّسونه ويرمون بكتب القرآن الكريم أرضاً ويعبثون بالمحتويات أو يحرقونها. أما التسمية الرسمية (الحرم الشريف/ جبل الهيكل) فهي اعتراف في غير مكانه بأن الأقصى متنازع عليه، وبالتالي فهو اعتراف بـ «حق» اليهود في السعي إلى دخوله، مستندين إلى قوة سلطة الاحتلال. وهاكم خلاصة الموقف الأميركي: الدعوة إلى «ضبط النفس» وهي عبارة خرقاء تعني أن قائلها غير مهتم أساساً بما يجري، والدعوة إلى «الامتناع عن الأعمال والخطابات الاستفزازية» وهي موجهة أيضاً إلى الطرفين أي أنها منفصلة عن الواقع، وأخيراً التوصية بـ « المحافظة على الوضع التاريخي الراهن من دون تغيير في الحرم الشريف/ جبل الهيكل» وكأن الجانب الفلسطيني هو من يسعى إلى تغيير هذا الوضع، ولو كان الموقف نزيهاً لوجب أن يتوجه فقط إلى الجانب الإسرائيلي.
لا شك أن هذا الالتباس الأميركي هو الممر الذي يسلكه الإسرائيليون في طريقهم إلى باب المغاربة لاقتحام المسجد الأقصى، لكنه أيضاً ممر الإسرائيليين إلى تمييع أي موقف دولي من انتهاكاتهم. فحتى الصيغة العامة والعادية لمشروع بيان يصدره مجلس الأمن أخضعها الأميركيون لتنقيحٍ لا يحمل أية إدانة أو حتى لوما وتنبيها لإسرائيل. ورغم إلحاح الموضوع وسخونته فقد استغرقت موافقة أعضاء المجلس أياماً، لأن الأميركيين استشفوا في الصيغة شبهة اتهام للإسرائيليين، كونها نصّت على احترام حرمة المكان المقدس، وطالبت بالسماح للمصلين المسلمين بممارسة شعائرهم بعيداً عن العنف والتهديدات، ودعت «الزعماء السياسيين والدينيين بتحمّل مسؤولية التحرك ضد المتطرفين الذين يعملون على تقويض سيادة القانون»، فواشنطن تأخذ في الاعتبار ادعاء حكومة نتنياهو أنها تنأى بنفسها عن تحرّك المستوطنين، ولا تأخذ في الاعتبار أن هذه الحكومة لديها أجندة معلنة تعمل على تنفيذها بواسطة المتطرّفين لفرض تقاسم زمني في الأقصى أسوة بالحرم الإبراهيمي في الخليل. وفي العادة تبني إسرائيل على المواقف الأميركية المتهاونة كهذه للاستمرار فيما خططت له وصولاً إلى فرضه كأمر واقع.
عدا الاستنكار والتنديد والتداعي إلى «التصدّي للانتهاكات الإسرائيلية»، لم يكن واضحاً ماذا لدى الدول العربية والمسلمة من خيارات لمواجهة هذه الإهانة. سحب السفراء وإغلاق «سفارات العدو» لم يعد لهما أي معنى، خصوصاً بعدما تبيّن أن المتصالحين ونصف المتصالحين مع إسرائيل لم يتمكّنوا من التأثير في سياساتها قيد أنملة؛ لذلك يبقى «أضعف الإيمان»، كالدعوة إلى قمة عربية أو إسلامية لإبداء التضامن في الإدانة للانتهاكات، لكن يبدو أن هذه غير متاحة وقد تعتبر استفزازاً غير محبّذ لدى أميركا التي اعتادت التغاضي عن الاستفزازات الإسرائيلية ولم تعد قادرة في عهد أوباما على كبحها. لكن، إذا لم يفعل العرب شيئاً فكيف سيصدّق الإسرائيليون أن للمسجد الأقصى مكانةً محترمةً لديهم؟