


عدد المقالات 103
في هذا الصباح بعض من جنون. ففي أوله وقبل أن تستيقظ الشمس تماما قرأت أن الفنانة «سعاد حسنى» قد اغتيلت على يد صفوت الشريف المحبوس على ذمة قضايا عدة لخوفه من فضح تاريخه المزري في مذكراتها. وبينما اكتمل النور في السماء. أتت لي النسخة الإكترونية لإحدى الجرائد العربية بحديث مؤثر للمطربة الراحلة منذ أيام قليلة «وردة الجزائرية» قائلة «أخاف الموت، وأشعر أني مقيدة بجسدي المريض». ثم فجأة قفزت في وجهي رسالة تفيد بغضب مسيحيي مصر من تصريحات «الأنبا بيشوي» مطران دمياط وكفر الشيخ بسبب مطالبته للنساء القبطيات بالاحتشام والتشبه بالمسلمات المحجبات، وبينما ما زالت السماء تلمع بشمسها الغاضبة يأتيني اتصال مع صحافية تونسية تبلغني أنها في طريقها إلى بلدة «سجنان» التابعة لمحافظة بيرزيت والتي حاول بعض «السلفيين» فرض سيطرتهم عليها لتحويلها إلى «إمارة إسلامية». ورغم القبض على من أسماهم الأمن التونسي المتورطين في الأمر. لكن المنطقة ما زالت تغط في الخوف. وما زال هناك شباب سلفي يجوب شوارعها شاهرا عصيا تحذر كل من تراوده نفسه على مخالفة سلوك يعتقدونه هم مخالفا للشريعة الإسلامية. أتى الصباح لي بالخوف،فالخوف كان دافعا على القتل. وعلى مطالبة رجل دين مسيحيي للنساء بتقليد الحجاب الإسلامي. والخوف من دخول الجحيم وإغضاب الله هو ما دفع شباب تونسي لترويع السكان الآمنين. والخوف هو ما نشأنا عليه جميعا ونحن نرى المعتقلين مقادون إلى الاستجواب في سيارات مروعة. ثم يعادوا إلى المعتقلات جثثا أو مصابين بإعاقة ما. والخوف هو ما دفع أمي لكتم صوت أختي الطفلة وهي تشكو لها أن مدرسها تحسس جسدها قائلة «آخر مرة أسمع منك الكلام ده». فابتلعت أختي الخوف. كما ابتلعت أمي خوفها على طفلتها بسبب خوف آخر من المجتمع. كان الخوف هو من أعاد المدرس الجامعي إلى العمل بإحدى الدول برغم ما يلقاه من ظلم لكن للفقر أظافر غائرة أخافت المدرس فانزوى إلى حيث السلامة وأغلق فمه. تماما كما فعلت أنا حين تجاهلت معرفتي بإصابة صديقتي بأخبث الأمراض خوفا من سقوطي بجوارها كمدا وإضعاف مقاومتها. فكان أن استبدلت خوفي بالتجاهل والغباء. هو الخوف نفسه الذي يجمع بين المصريين الذين يختبرون لأول مرة معنى اختيار الرئيس. الخوف من استحواذ جديد. استحواذ لا يصلنا عبر الوراثة كما كان يخطط مبارك. بل عبر توظيف المقدس الديني. استحواذ بادعاء امتلاك حقيقة الدين. وما امتلك حقيقة الدين إلا كل ورع تقي. ولم يكشف لنا التاريخ إلا عن قلة نادرة من الأتقياء. فكيف يتساقطون اليوم كمطر منهمر على سماء البلاد!؟ ذكر فرويد أن الخوف نتاج لتجارب مرة في فترة الطفولة. بينما آخرون يرون أنه وسيلة لحماية الإنسان من المخاطر. لكن السؤال الذي ظل يؤرقني كيف نميز بين الخوف الذي يحمي وذلك الذي يسقطنا في الذل؟ وكيف يبقى الخوف واقفا عند حدود العقل ولا يقفز إلى داخل أرواحنا فيحولنا إلى بشر خانع؟ لم أجد الإجابة أبداً. لكن طفلة صغيرة من محافظة بورسعيد كانت قد قررت عام 1967. وبرغم صراخ والديها أن تسير بمفردها في أرض ملغومة لتمهد بأقدامها –وربما بجسدها- الطريق لأسرتها الكبيرة. شاهدت صورتها وأمها تروي لي عن بطولة طفلتها التي لو لم تستشهد ذلك اليوم لكانت حية الآن ولأتمت الخامسة والخمسين من العمر. قبل أن أرحل عنها قالت لي الأم: نعم للشجاعة ثمن فادح. لكن ثمن الخوف أفدح.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...