


عدد المقالات 205
في مقال سابق، أخذنا نظرة خاطفة في عالم جديد من الأعمال «باني». السؤال المنطقي التالي هو: كيف يتعامل القادة داخل المؤسسات مع هذا العالم ؟ هذا السؤال الذي نجيب عنه في هذا المقال.
بداية فك شفرة عالم الأعمال الجديد «باني»، والإجابة هو لماذا لا تنجح الأدوات القديمة؟
لفهم كيفية القيادة في هذا العالم، يجب أولاً فهم طبيعة التحدي:
1. الهشاشة: الأنظمة التي تبدو قوية قد تنهار فجأة (مثل سلاسل الإمداد والتي انهارت خلال أيام معدودة في أزمة كورونا).
2. القلق: وهو الشعور المستمر بأن كارثة ما قد تقع في أي لحظة، مما يشل القدرة على اتخاذ القرار وبناء الاستراتيجيات.
3. عدم الخطية: الأسباب الصغيرة تؤدي لنتائج ضخمة وغير متناسبة ( مثل تأثير الفراشة).
4. عدم القابلية للفهم: كثرة البيانات لا تعني بالضرورة وضوح الرؤية؛ أحياناً الإجابات لا توجد ببساطة.
فما استراتيجيات القيادة في مواجهة عالم الأعمال الجديد «باني» ؟
للتعامل مع هذه الأبعاد الأربعة، يحتاج القائد إلى استبدال «السيطرة» بـ «التكيف». إليك كيف يتم ذلك:
أولا: من «الهشاشة» إلى «القدرة على التعافي»
القائد في عالم BANI لا يبني نظاماً لا ينكسر، بل يبني نظاماً يعرف كيف يعود بعد الانكسار.
• تعدد الخيارات: فبدلاً من الاعتماد على مصدر واحد أو خطة واحدة، ابحث عن «الفائض المدروس» الذي يحميك عند الأزمات.
• التمكين: منح الصلاحيات للفرق الصغيرة لاتخاذ قرارات سريعة دون الرجوع للمركزية المعطلة.
ثانياً: من «القلق» إلى «التعاطف واليقظة»
عندما يسود القلق، تصبح «المرونة النفسية» هي العملة الأغلى والمهارة الأقوى في عالم الأعمال.
• الشفافية الجذرية: يقول القائد لموظفيه في هذا الوضع «لا نعرف كل الإجابات، لكننا معاً في هذا الطريق»، فالصدق يبني الثقة ويقلل التوتر.
• الأمان النفسي: شجع فريقك على ارتكاب «أخطاء ذكية» دون خوف من العقاب، فالقلق يقتل الابتكار.
ثالثا: من «عدم الخطية» إلى «السياق والمرونة «
في العالم غير الخطي، التخطيط الخماسي أو حتى الثلاثي (لمدة 5 سنوات أو 3 سنوات) أصبح من التراث. ابحث وتعلم التخطيط القائم على السيناريوهات: فكر في «ماذا لو؟» بدلاً من «هذا ما سيحدث». والتحرك في خطوات صغيرة: تحرك بوعي، جرب، تعلم، ثم عدل المسار. الحركة المستمرة أهم من القفزة الكبرى غير المحسوبة.
رابعاً: من «عدم الفهم» إلى «الشفافية والحدس المعتمد على البيانات»
عندما لا يمكن فهم كل شيء، يصبح الحدس القائم على القيم، والتي تشكل البوصلة في هذه الأزمات. فالقائد يحتاج إلى الوضوح القيمي: عندما تغيب الرؤية التقنية، اسأل: «هل هذا القرار يتماشى مع قيمنا كأفراد ومؤسسات؟». إذا كانت الإجابة نعم، فافعله. وأخيراً التواضع المعرفي: القائد العظيم اليوم هو من يملك الشجاعة لقول «لا أعرف»، ثم يبدأ فوراً في عملية «التعلم المستمر».
رابعاً: عقلية «التحرك بوعي وسط الضباب»
القيادة في عالم الأعمال « باني» لا تعني امتلاك «تليسكوب» يرى المسافات البعيدة، بل امتلاك «كشاف» قوي يضيء الخطوات الثلاث القادمة بوضوح تام. فما الممارسات اليومية التي نوصي بها القادة في هذا العالم المشوش؟
لمواجهة الهشاشة: ابنِ «المتانة» لا «القوة»
النظام القوي ينكسر تحت الضغط، أما النظام المتين فيمتص الصدمة، بل ويتعايش معها.
• لا مركزية القرار: لا تجعل كل القرارات تمر عبر مكتبك، وزع السلطة على الفرق الصغيرة لتتمكن من التصرف بسرعة إذا انهار جزء من النظام.
• الاستثمار في «الفائض المدروس»: في الماضي كانت «الكفاءة القصوى» تعني عدم وجود زوائد. اليوم، يجب أن يكون لديك بدائل (موردون إضافيون، مهارات متداخلة بين الموظفين) لتجنب الانهيار المفاجئ.
لمواجهة القلق: كن «ممتصاً للصدمات» لا «ناقلاً لها»
القلق في عالم الأعمال معدٍ، ودورك هو خفض «الضجيج» النفسي.
• الشفافية في عدم اليقين: لا تتظاهر بالمعرفة. قل: «الموقف حالياً غير واضح، لكن خطتنا للأسبوع القادم هي التالي.... « الصدق يقلل القلق أكثر من الوعود الزائفة.
• ثقافة «الأمان النفسي»: تأكد من أن موظفيك لا يخافون من قول «أخطأنا». في عالم قلق، الخوف من الخطأ يؤدي إلى الشلل التام.
لمواجهة غير الخطية: ركز على «النتائج» لا «التوقعات»
قد تبذل جهداً 100% وتحصل على نتيجة 1%، أو العكس. وهذا وارد جداً في عالم الأعمال الجديد «باني».
•التخطيط بالسيناريوهات: توقف عن وضع واحدة فقط. ضع ثلاثة مسارات محتملة، فمثلاً: سيناريو متفائل، سيناريو واقعي، سيناريو كارثي، وكن مستعداً للتبديل بينها في غضون ساعات.
•الخطوات الصغيرة المتكررة: بدلاً من المشاريع العملاقة التي تستغرق سنوات، اعتمد دورات عمل قصيرة، شهرية مثلاً، جربها، قِس النتائج والمخرجات، تعلم منها، ثم طور التجربة.
لمواجهة عدم الفهم: استبدل «الخريطة» بـ «البوصلة»
عندما تصبح البيانات كثيرة لدرجة والمعلومات متداخلة لدرجة غير مفهومة، عُدْ إلى الأساسيات.
•القيادة بالقيم: عندما لا تعرف ماذا تفعل تقنياً، اسأل: «ما هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله أخلاقياً وإنسانياً؟». القيم هي البوصلة التي لا تضلل في الضباب.
•الحدس المبني على الخبرة: شجع فريقك على استخدام «حسهم المهني» بجانب البيانات، فالعقل البشري أحياناً يلتقط أنماطاً لا تراها الخوارزميات.
@hussainhalsayed
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. وفي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. التحدي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التنفيذية والسيكولوجية التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، واليوم، نصل إلى أعمق هذه التحديات وأكثرها حساسية على الإطلاق: تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. قد يكتشف القائد...
في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي. وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي» ثم حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن»، واليوم حديثنا حول «تحقيق إنجازات سريعة». في المقالين السابقين،...
في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي، وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي»، واليوم حديثنا حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن». عندما يكون ملف الإنجاز الذاتي هو المحرك الأساسي...
تشهد البيئة المؤسسية في دولة قطر حراكاً تطويرياً متسارعاً، يتزامن مع تمكين كفاءات وطنية واعدة تبوأت مناصبها القيادية بناءً على سجل حافل بالتميز والإنجاز الفردي. هؤلاء القادة الجدد، الذين لا تتجاوز خبرتهم القيادية ثلاث سنوات...
في أروقة المكاتب الفاخرة ذات الإطلالات البانورامية، وراء شاشات العرض التي تضج بالرسوم البيانية والبيانات الصماء، تُولد الكثير من الأفكار، أفكار رائعة، أفكار خلابة، أفكار مثالية. يجتمع القادة والمخططون، يرسمون ملامح المستقبل، ويطلقون استراتيجيات ومبادرات...
في عالم يتسارع فيه كل شيء، وتتراكم فيه الخيارات أمامنا حتى التخمة، يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في حالة ذهنية خانقة تُعرف بـشلل القرار. ويقصد به تلك الحالة التي يقف فيها الإنسان عاجزاً عن اختيار بديل،...
في مقالنا السابق، تحدثنا عن ظاهرة النجوم واحتراقها في بيئة العمل، في هذا المقال سوف نتحدث عن محور يمسّ وتراً حساساً جداً في الفكر الإداري الحديث، ويُعرف عالمياً بـ «لعنة الكفاءة». بداية، السؤال المهم لماذا...
اليوم حديثنا عن ظاهرة حديثة نسبياً في بيئات العمل، وبدأ الحديث عنها في الفكر الإداري الحديث. اكتب اليوم عن النجوم في بيئة العمل وظاهرة « احتراق النجوم «. النجوم في بيئة العمل ليس مجرد أشخاص...
بعد أن تحدثنا في مقالنا السابق عن مظاهر ثقافة نعم وتأثيرها على المؤسسات، اليوم نسلط الضوء على كيف نوازن بين احترام القيادة وتشجيع النقد الصريح دون أن يتحول الأمر إلى فوضى؟ تعد الموازنة بين الهيبة...
تعتبر بيئة العمل التي تسود فيها ثقافة «نعم سيدي» واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة؛ فهي ليست مجرد مظهر من مظاهر الاحترام أو الولاء المغشوشة، بل هي صمت تنظيمي مقنّع يغتال الإبداع ويحجب...