مكافأة المجرم!!
21 مارس 2015 , 02:30ص
السذج فقط، والذين أدمنوا العيش في الأوهام، هم من فاجأهم الموقف الأميركي، الذي أعلنه وزير الخارجية جون كيري، بأن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد، لتحقيق انتقال سياسي، أو محاولة المتحدث الرسمي للبيت الأبيض التخفيف من وقع تلك التصريحات الكارثية. فبعيدا عن المقولات العنترية السابقة، والفارغة من المضمون، التي أطلقتها الإدارة الأميركية، حول اعتبار الأسد فاقد الشرعية، لم يكن هناك على أرض الواقع على سبيل الأفعال ما يؤكد هذا الموقف، والذي اتسم منذ بداية الأزمة، أو المأساة التي مر عليها أربع سنوات كاملة، بالضبابية وغياب الشفافية، والتردد الشديد. فواشنطن تتحمل جزءا كبيرا من استمرار بشار الأسد في موقعه، رغم كل ما جرى.
فالوقائع تشير إلى أن سوريا كانت إحدى محطات ثورات الربيع العربي، حيث خرجت الجماهير في 15 مارس 2011، تطالب بنفس شعارات المصريين والتوانسة واليمنين والليبيين، في الحرية والعدالة الاجتماعية، وضد نظام شهد أول تجربة توريث في إحدى الجمهوريات العربية بتولي بشار الرئاسة بعد الأسد الأب، في انتهاك فاضح وعلى العلن للدستور السوري، الذي تم تعديل النص الخاص بعمر المرشح لرئاسة الجمهورية، والذي كان يشترط أن يكون فوق الأربعين عاما، وكان بشار يومها أقل من ذلك، وتقبلت الجماهير الأمر، وتوقعت أن تشهد البلاد تغييرا في آليات الحكم، خاصة أن الوريث الشاب لم يكن من الدائرة التي تتحكم في مفاصل الدولة في عهد والده، وتلقى تعليمه في بريطانيا، وعرف أصول الديمقراطية، ولكن سقط صريعا لمراكز القوى في النظام، ورجال الطائفة العلوية، وانحاز لها على حساب الوطن والمواطنين، فاستمرت الأحوال على ما هي عليه، بعد تراجع أفكار الإصلاح السياسي والاقتصادي، وعودة سطوة أجهزة الأمن بتنوعها، وعندما عبرت الجماهير عن رغبتها في الإصلاح، وسعيها للتغيير السلمي عبر تحركات اتسمت بأقصى درجات السلمية في درعا، لم تجد سوى القمع على أيدي رجال النظام من الأمن والجيش والشبيحة، وكان من الطبيعي أن تنتهي السلمية التي ميزت التحركات الجماهيرية، بعد أن امتدت انتفاضة الشعب إلى كل المدن والقرى.
ومن اليوم الأول، كان من الواضح أن الإدارة الأميركية لم تحسم رأيها تجاه بقاء أو إسقاط بشار الأسد، على عكس موقفها ومعها الدول الغربية الأعضاء في الناتو، من الأزمة الليبية، حيث فرضت حظرا جويا بعد بداية الاحتجاجات بأسابيع قليلة لحماية المدنيين في المدن الليبية، بل وقامت بغارات جوية أسهمت في دعم الثوار، اختلف الموقف الأميركي عنه في الحالة المصرية، عندما استمرت في ممارسة الضغوط على الرئيس المخلوع حسني مبارك، حيث أسهمت في تنازله عن السلطة بعد 18 يوما من الاحتجاجات الشعبية، وهو نفس ما فعلته مع بن علي في تونس عندما رفعت الغطاء السياسي عنه؛ فلم يجد سوى الهروب من تونس، إيذانا بنجاح ثورة الياسمين. حتى في الحالة اليمنية، فلم تكن بعيدا عن ممارسة الضغوط على علي عبدالله صالح، حتى استجاب في نهاية الأمر إلى المبادرة الخليجية، التي وفرت له عدم الملاحقة القضائية مقابل التنازل عن السلطة.
أميركا قررت الاحتفاظ بنظام الأسد، عندما لم يهتز لها جفن، بعد كل المأساة التي يعيشها الشعب السوري، جراء إجرام النظام، وقد أشار أحد التقارير الصادرة من عدد من المنظمات الدولية غير الحكومية، إلى أن سوريا تعيش في كارثة إنسانية يندى لها جبين الإنسانية، فقد وصل عدد القتلى خلال السنوات الأربع، وفقا لتقارير دولية محايدة إلى 220 ألفا، و5 ملايين لاجئ معظمهم في دول الجوار، بالإضافة إلى 7 ملايين آخرين نازحين بعيدا عن ديارهم في أرجاء سوريا، هربا من مواقع المواجهات الدموية. ثلث سكان سوريا يحتاجون إلى مساعدات، الخسائر الاقتصادية وصلت إلى 200 مليار دولار، بعد تدمير %80 من حقول النفط، وتراجع الإنتاج إلى أقل من 10 آلاف برميل، وكذلك محطات الكهرباء وشبكات المياه، مع تضاعف عدد العاطلين لثلاث مرات.
أميركا قررت الإبقاء على نظام الأسد، لأنه الوحيد الذي لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل بعد حرب 1973، وسعى إلى لعبة الحرب بالوكالة، عبر جنوب لبنان، بينما مدافع سوريا صامتة من الجولان، واستثمرت مأساة إنسانية، بعد اتهامه بالوقوف وراء هجوم كيماوي على ريف دمشق في أغسطس من العام الماضي، وبعدها أعلنت عن البدء في تنفيذ ضربات جوية ضد النظام، ولكنها في نهاية الأمر استجابت لمطالب روسيا، ودخلت في مقايضة، المستفيد الوحيد منها إسرائيل، عندما وافق الأسد على تدمير كل أسلحته الكيماوية، بمعرفة الأمم المتحدة، وكانت إحدى آليات إحداث التوازن مع قدرات إسرائيل النووية.
وقد أدرك الأسد أنه باقٍ في مكانه، مهما استمرت جرائمه ضد الشعب السوري، عندما رسخ المخاوف لدى الغرب، من فكرة البديل لنظامه إذا سقط، وبعدها توصل إلى الوصفة السحرية والعجيبة، التي تنطلي على دول الغرب، بأنه يقاوم الإرهاب، وغابت عن واشنطن الحقائق باعتبار النظام هو الإرهابي الأول، بجرائمه ضد الشعب، التي دفعت قطاعات عديدة من الشعب السوري إلى الكفر بالسلمية، وإمكاناتها على التغيير، فبدأ الجزء الثاني من المخطط الأسدي بترك بلاده وفتح حدوده على مصراعيها لدخول كل عناصر الإرهاب، رغم بطشه وقدراته الأمنية، وترك تنظيم داعش للتمدد، وسمح له بالسيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي السورية، في خلط واضح لأوراق الأزمة السورية، بين معارضة تقاوم النظام، وقوات حكومية وتنظيم داعش، الذي انفتحت شهيته بعد نجاحاته في سوريا، فذهب إلى العراق الذي يمثل مصلحة كبرى للإدارة الأميركية، فتدخلت لأول مرة، وسعت إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهته، بمشاركة قوى عربية وإقليمية، وقامت بغارات جوية ضد عناصر التنظيم، صحيح دون تنسيق مع النظام السوري، ولكنها في النهاية تصب في صالحه وتدعم نظامه.
أميركا تعاملت مع الأسد كجزء من الصفقات والمصالح الكونية، وورقة في لعبة المساومات الدولية، خاصة بعد أن أدركت أن بقاء النظام مصلحة كبرى وخط أحمر لدى كل من روسيا وإيران، الأولى توفر له شبكة حماية من أي قرارات من مجلس الأمن ضد النظام، الذي يضمن لها التواجد في المنطقة، بعد أن سقطت أنظمة عديدة في المنطقة كانت محسوبة على موسكو. أما طهران فقد كان تدخلها فاضحا، لم يقتصر على الدعم السياسي أو الاقتصادي فقط، ولكنه تجاوزه إلى المشاركة بالخبراء، بالمقاتلين من الحرس الثوري، باستنفار كل الميليشيات الشيعية المسلحة، في العراق ولبنان ومناطق أخرى، تتولى مهمة الدفاع عن النظام وحمايته من السقوط، وقد يكون الموقف الأميركي الأخير، الذي أعلنه جون كيري، جزءا من مخطط لمرحلة ما بعد الاتفاق النووي بين إيران ودول الغرب، والترتيبات التي تعد لمرحلة جديدة لعلاقات قد تكون استراتيجية بين واشنطن وطهران، تسمح لها بإطلاق يدها في العديد من الملفات الإقليمية، وفي المقدمة الملف السوري.
وبعد، هل يفلت المجرم بجريمته؟ الأمر ليس بالسهولة التي تتصورها الإدارة الأميركية، لا عربيا ولا إقليميا، وبالطبع فإن بقايا الشعب السوري لن تنسى.
usama.agag@yahoo.com •