ولم يلتزم به أحد!
20 ديسمبر 2014 , 07:01ص
أمر قانون التظاهر في مصر عجيب وغريب، صدر منذ أكثر من عام، وكان الهدف منه وقف مظاهرات دعم الشرعية الرافضة للحكم بعد 3 يوليو 2013، ولكنه لم يحقق المستهدف منه، والمحاكمات تجري على قدم وساق لعدد من النشطاء السياسيين من نفس المعسكر الرافض لحكم الإخوان، ومن هنا بدأت المفارقة.
هو قانون لم يكن له دور على الإطلاق أو فاعلية في ردع قطاعات من الشعب المصري على وقف التظاهر كما توهمت الحكومة. والأرقام لا تكذب فقد كشف تقرير مؤشر الديمقراطية الصادر مؤخرا، بأن شهر نوفمبر الماضي فقط شهد 226 احتجاجا طلابيا، بارتفاع عن الشهر الذي سبقه، والذي سجل 209 احتجاجات، هذه نوعية واحدة من الاحتجاجات، ناهيك عن المظاهرات التي خرجت تنديدا ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك، أو المظاهرات الفئوية التي عادت للظهور من جديد إلى الساحة المصرية.
هو قانون أثار جدلا محليا ودوليا، حيث أعربت دول عدة عن قلقها في ما يخص القيود على حرية التجمع، وأوصت بتعديل ومراجعة دستورية القانون، إلى جانب التوقف عن مضايقة المعارضة السلمية، كما جاء في الاستعراض الدوري الشامل الذي عقد في مقر مجلس حقوق الإنسان بجنيف، في الخامس من نوفمبر لعام 2014 لملف مصر، في مجال حقوق الإنسان.
هو قانون صدرت ضده عدة طعون في دستوريته، بعضها ما زال منظورا أمام المحاكم، وفي قضايا أخرى صدر الحكم ضده، فقد أصدرت محكمة جنح دمنهور في فبراير الماضي قراراً بإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا المختصة للبت في دستوريته. وطالبت محكمة القضاء الإداري في كفر الشيخ، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجي الحكومة، بإعادة قراءة قانون التظاهر، ليتفق مع التوجه الديمقراطي الحقيقي، ليمارس المواطنون حقوقهم المشروعة في التظاهر السلمي، وبما لا يخل بحق الدولة في الحفاظ على النظام العام. ومع ذلك وعدت الحكومة أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، بالعمل على تعديل القانون، ولم توف بعهودها، فالأمن هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في كثير من الأمور وحتى السياسية منها.
لقد أنهى القانون، واحدا من أهم المكتسبات السياسية، خلال السنوات الأربع الماضية بعد ثورة 25 يناير 2011، وقد أثار شكوكا ومخاوف كثيرة لم تقتصر على مدى تضييقه على حق الأفراد في التجمع السلمي، ولكن مدى ملاءمة إصدار قانون، بمثل هذه الخطورة والأهمية، من سلطة انتقالية، دون انتظار انتخابات مجلس نواب منتخب، قادر على حسم مثل هذا الأمر، خاصة أن حرية التجمع السلمي، تعد أحد أهم أركان حرية الرأي والتعبير، والتي تعد من أهم الحقوق والحريات العامة، كما تقع في صميم أي نظام ديمقراطي فعال، وهو ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من التشريعات المحلية، وهو ما التزم به دستور 2014 في مادته 73 بضمان حق التجمع السلمي، ومع ذلك فقد كان هناك ملاحظات على عدد من مواد القانون، خاصة المادة (7)، والتي أعطت الحق للسلطات بإلغاء المظاهرة وأهدرت حق الأفراد بهذا الخصوص. والمادة (9) والمادة (10) هذا على خلاف مشروع القانون السابق في عهد وزير العدل الأسبق أحمد مكي، الذي يمنع الداخلية، من وقف المظاهرة بقرار إداري، ويفرض عليها اللجوء بنفسها إلى قاضي الأمور الوقتية، والمادة (11) التي أتاحت إمكانية فض التظاهر من قبل قوات الشرطة، بل وأتاحت لهم أيضا سلطة القبض على المشاركين في التظاهرة.
وقد حظي القانون برفض من عدد من الأحزاب السياسية، ومنهم حزب الدستور، حيث طالبت الدكتور هالة شكر الله رئيسة الحزب في عدد من المحافل والمؤتمرات، بإلغاء القانون، والإفراج عن المحتجزين بموجبه، كما أشار المهندس محمد سامي رئيس حزب الكرامة إلى أن تطبيق القانون أثبت أن به عورا سياسيا ودستوريا، كما رفضه حزب المصريين الأحرار، مشيراً إلى حالات الإحباط بين قطاعات الشباب، وأعرب الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح رئيس حزب مصر القوية، عن رفض الحزب لقانون التظاهر، ووصفه بالفاشي، وهو نفس موقف حزب النور الذي طالب بسرعة البت في شأن المحتجزين، وإخلاء سبيل كُل من لم يتورط في أعمال عنف. الاستثناء الوحيد والصوت النشاز، خرج من حزب الليبرالية المصرية كما يزعم، ونقصد به حزب الوفد، الذي أيد القانون، تحت ذريعة أن الدولة تحارب الإرهاب، وأن الوقت ليس ملائما لتغيير القوانين.
كما استنكرت بعض منظمات حقوق الإنسان القانون لأنه يقيد بشدة الحق في حرية التجمع السلمي ويضع عقبات صارمة أمام المظاهرات العامة، وطالبت العديد منها السلطات المصرية على احترام الحق في التظاهر، والتزام السلطات بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية، بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية تجاه المتظاهرين، كما حثت المنظمات الحكومة بتعديله، إلى جانب الإفراج غير المشروط عن كل محتجزي الرأي، والمحتجزين بموجب قانون التظاهر. والغريب أن الحكومة لم تسمع حتى للمجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو قريب منها، وقدم محمد فائق رئيس المجلس، 14 ملاحظة على القانون لرئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي، عندما التقى به مؤخرا، دون جدوى. ومن أبرزها تقليص مدة الإخطار إلى 48 ساعة بدلا من 7 أيام، وإلغاء المادة السابعة التي تتضمن ما يمنع الإضرابات العمالية السلمية، بحجة تعطيل الإنتاج، ولأنها تستخدم تعبير الإخلال بالنظام العام، وهو تعبير غامض، يمكن إساءة استخدامه لمنع التظاهر السلمي. مع إلغاء المادة الحادية عشرة من القانون، واصفا إياها بأنها تصادر حق التظاهر، ويبنى الأمر على أساس نوايا المتظاهرين قبل المظاهرة، والأجدى أن يكون التعامل معهم على أساس أفعالهم أثناء المظاهرة.
وحظي القانون بالعديد من الملاحظات، والانتقادات من دول مختلفة، في استعراض ملف مصر في مجلس حقوق الإنسان في جنيف الشهر الماضي، حيث أوصت الولايات المتحدة الأميركية بإلغاء أو تعديل قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013، والتحقق من استخدام القوة المفرطة من القوات الأمنية، وضمان المحاكمة العادلة للمعتقلين، ثم انتقدت القيود على حرية التعبير، والتجمع السلمي، واتفقت معها كل من هولندا والنرويج وليتوانيا وإيطاليا وأستونيا والنمسا وأستراليا والمملكة المتحدة والسويد، كما أضافت بعض الدول توصياتها من أجل الإفراج عن محتجزي الرأي والمحتجزين بموجب قانون التظاهر والذين يحبسون لممارسة حقوقهم الدستورية مثل هولندا وأستونيا.
وبعد، فلا معنى على الإطلاق لاستمرار ذلك التعنت الحكومي، تجاه التمسك بمثل هذا القانون، رغم الرفض الشعبي له، وأنه لم يكن مجديا على الإطلاق، في تحقيق الهدف منه، وأساء إلى سمعة مصر على المستوى الدولي. فمن يفعل أو يجيب!!
usama.agag@yahoo.com •