كلاكيت للمرة الألف..!
20 سبتمبر 2014 , 06:14ص
بلغة السينما، نحن هنا نعيد تصوير المشهد للمرة الألف، اختلفت الأشخاص، وتعددت الوجوه، وتنوعت التفاصيل، وتباينت الأحداث، ولكن السيناريو واحد، والمخرج لم يتغير، والفيلم أو المسلسل كما هو.
أتحدث هنا عن القضاء المصري، الذي نعتز به جميعا، نشيد باستقلاليته وبشموخه، ولكن هذا لا يمنع من التوقف عند بعض الملاحظات على أداء بعض دوائره، خاصة في الفترة الماضية خلال الأشهر الأخيرة، وفي بعض القضايا التي تشهد تسييسا منقطع النظير، وتحول فيها القضاء إلى أحد أدوات الصراع السياسي في مصر، ولعل البداية كانت في تخصيص دوائر معينة للنظر في قضايا ما يطلق عليه في مصر أحداث الإرهاب، تم اختيار قضاتها بعناية شديدة، من هؤلاء الذين يملكون رؤية سياسية مخالفة لتيار الإسلام السياسي. رغم أن القضاة ليس لهم رأي في القضايا، لدرجة أن محكمة تقضي ببراءة عدد من الضباط المتهمين في جريمة عربة الترحيلات التي استشهد فيها أكثر من 30 من المحبوسين احتياطا، وأمام أخرى تم الحكم بعشر سنوات سجن على محمد البلتاجي بتهمة تعذيب ضابط وتتنوع المشاهد التي تؤكد ما نقول:
المشهد الأول
خلاف غير مسبوق بين محكمة جنايات الجيزة وبين مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام، بعد أن قررت في 19 يونيو السابق، إحالة الدكتور محمد بديع و13 من قيادات الإخوان، منهم محمد البلتاجي، وعصام العريان، وصفوت حجازي، وعاصم عبدالماجد، وباسم عودة إلى المفتي، لأخذ الرأي الشرعي في القضية المعروفة إعلاميا بمسجد الاستقامة، والتي وقعت يوم 22 يوليو 2013، والتي قتل فيها 10 أشخاص وأصيب عدد آخر، بالإضافة إلى قائمة من الاتهامات المعلبة، منها التجمهر وارتكاب جرائم قتل عمد، وتخريب وإتلاف عمد للمنشآت العامة والخاصة، والاعتداء على رجال السلطة العامة، وكانت المفاجأة هي رفض المفتي لحكم الإعدام، والأخطر في الأسباب التي ذكرها المفتي في المذكرة التي أرسلها إلى المحكمة، وتعلقت بصميم القضية ذاتها، ومن ذلك عدم ثبوت الأدلة في التهم الموجهة إلى المتهمين، والتي اقتصرت على تحريات من ضابط في الأمن الوطني، وقال: إنها لا تصلح لأن تكون دليلا، والتي اقتصرت على أقوال مرسلة بأن من أطلق النار هم من جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما لا يمكن الاعتماد عليه في إصدار حكم بالإعدام، بالإضافة إلى الاعتماد على مذكرة من الضابط أشار فيها إلى أن تحرياته السرية أسفرت عن عقد اجتماع بإحدى الغرف الملحقة بمسجد رابعة العدوية، ضم المرشد وعددا من القيادات اتفقوا على إيفاد تشكيلات من عناصر الإخوان وأنصارهم، وبعدها اجتمعوا مع اثنين من مسؤولي الجماعة في الجيزة من المتهمين في القضية، وتم الاتفاق معهم على تنفيذ مخططهم وأمدوهم بالأموال، المفتي قال إن الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين، وليس على مجرد الشك والتخمين. وقال أيضاً: إن المقرر شرعا أن يخطئ الإمام في العفو، خيرا من أن يخطئ في الإدانة، وأن يفلت ألف مجرم من العقاب خير من أن يدان بريء.
وقد أثار الخلاف ضجة كبيرة، واعتبر القاضي نفسه، أن المفتي لم يبد الرأي الشرعي في القضية، وإنما افتأت على حق المحكمة، في تقرير الأدلة بالدعوى، ورفض قرار الإعدام بداعي أن الأدلة غير كافية، وأن التحريات لا تعدو كونها رأيا لمحررها. بينما يرى علماء الشريعة أن رأي المفتي في الحكم فتوى لا تصلح من دون فحص الأدلة، وأن الفقه مثل القضاء يعتمد على قرائن الإثبات. وقال أحد رجال الدين مستغربا: لماذا تحيلون القضايا للمفتي ثم تنكرون عليه رأيه؟ مع العلم أن المفتي سبق له أن وافق على أحكام بالإعدام، في قضايا متهم فيها المرشد العام للإخوان، ومنها حكم من محكمة المنيا مع 37 آخرين، وحكم آخر في أحداث مركز العدوة بإعدام 83 منهم الدكتور بديع.
وقد أعادت المحكمة القضية من جديد إلى المفتي، رغم أنه سبق أن أبدى رأيه فيها بناء على أدلة شرعية من الكتاب والسنة، وقد أشار البعض من القانونيين إلى أن قانون الإجراءات الجنائية يتيح للمحكمة أن تصدر حكمها إذا تأخر في الرد، أو لم يقدم للمحكمة الرأي الشرعي، وكانت نتيجة ذلك الخلاف النادر بين المفتي والمحكمة غريبا عندما خفف القاضي الأحكام إلى المؤبد بالنسبة للمرشد وعدد آخر من المتهمين، وأبقى عقوبة الإعدام غيابيا على عدد منهم رغم أن المفتي تمسك برأيه في المرتين، وترك للقضاء أن يحكم بما يشاء ويظل السؤال على حاله لماذا تغير حكم المحكمة خلال أقل من شهر، من الإعدام إلى المؤبد؟ ولماذا تغير رأي المفتي في هذه القضية تحديدا؟ هل الأمر يتعلق بقلق من السلطات الحالية من توالي أحكام الإعدام؟ وتأثير ذلك على صورة مصر الخارجية التي احتلت المركز الأول على مستوى العالم في الأحكام بالإعدام.
المشهد الثاني
السماحة الشديدة التي يتعامل بها قاضي محكمة القرن مع المتهمين في القضية، لدرجة إتاحة الفرصة بالساعات أمام المتهمين، وهم حسني مبارك وابنيه ووزيره العادلي وعدد من كبار مساعديه، للحديث أمام المحكمة للدفاع عن أنفسهم، وهو حق للمتهمين وفره القانون، ولكننا في نفس الزمن شاهدنا بدعة مستحدثة، وهي الخاصة بالعوازل الزجاجية التي تعزل صوت المتهمين في قضايا الإخوان المسلمين، وتتيح للقاضي التحكم في الصوت، بالإضافة إلى حالة العداء الظاهرة تجاه قيادات الجماعة، فقد تم اتهام الدكتور محمد البلتاجي، بتهمة إهانة القضاء، لأنه قال للمحكمة «حسبي الله ونعم الوكيل»، ومن قبله صفوت حجازي والشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، ناهيك عن الرغبة في إهانة الدكتور محمد مرسي، وقيادات أخرى، بينما وصل التأثر بقاضي محكمة القرن إلى الدموع، نتيجة دفاع اللواء عدلي فايد أحد مساعدي العادلي عن نفسه، مما يمثل رأيا في القضية، تستوجب قرارا منه بالتنحي عن نظرها.
المشهد الثالث
من المهم تفادي أي شبهات حول الأحكام والحرص على هذا الأمر، وهو ما لم يحدث في حكم القضاء الإداري بحل حزب الحرية والعدالة، ولأسباب معظمها سياسية، مثل الخروج عن الإجماع الوطني، واعتبار 30 يونيو انقلاب، كما قالت المحكمة، بينما تتعرض ثورة 25 يناير إلى وصفها بأنها مؤامرة خارجية، دون معاقبة أصحاب هذا الرأي، والأخطر أن يتم تكريم القاضي الذي أصدر الحكم، ومنحه أحد الأوسمة الرفيعة، لخروجه على المعاش بعد الحكم بأيام معدودات، ألم يكن من الملائم ترك قضية بهذه الخطورة لمن سيخلفه في المنصب.
المشهد الأخير
المنصف لا يستطيع أن ينكر أن هناك أحكاما مهمة تؤكد عظمة القضاء المصري وشموخه، ومن ذلك حكم القضاء الإداري بوقف قرار فصل المئات من طلاب جامعة الأزهر فصلا نهائيا نتيجة الاشتراك في مظاهرات في الجامعة، وإلزام الجامعة بعمل لجان امتحان خاصة لهم، حتى لا يضيع عليهم العام الدراسي الحالي.
ويظل السؤال كما هو، ماذا عن الآلاف من المعتقلين منذ 30 يونيو الموجدين في السجون وكثير منهم لم يتم توجيه أي اتهام له أو عرض قضاياه على المحاكم!!
usama.agag@yahoo.com •