alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

الفراق

20 يوليو 2016 , 05:56ص
الداءُ القديمُ الجديدُ، الذي شكى منه العاشقون حتى بكتْ أعماقُهم، ولقد تجود بدمعها الأعماقُ، إنه فراقُ الأحبة الذين ملأ حُبُّهم الفؤادَ حتى أصبحوا كالهواء الذي يتردد في الرئتين، فإذا بالزمن يأخذهم في ليلةٍ بلا استئذان، فإذا بالنفوس تشكو الجدب بعد الخصب، وتشكو الليل الطويل الذي كان في أيامهم أقصرَ من عُمْر الشمعة التي تنطفئ سريعاً، تبحث عن البكاء ليخففَ عنها لوعةَ الشقاء فإذا البكاء قد أدركه الجفاء، وشحَّت العيون بالدموع؛ لأنها تعلم أنها لن ترد حبيباً، ولن تشفي غليلاً.
هل تصدق أنَّ أبا الطيب المتنبي قد جعل الفِراقَ هو السبب الوحيد للموت؟ فلولا فراقُ الأحبة لما استطاع الموتُ أن يصلَ إلى أرواحنا؟!:
لَوْلا مُفارَقَةُ الأحبابِ ما وَجَدَتْ
لهَا المَنَايَا إلى أرْوَاحِنَا سُبُلا
صدقت يا أبا الطيب، فكم من مُحبٍّ فارق الحياة لمَّا فارقه أحبابه، ولا تتمنَ أن تقع في هذا يوماً فإنَّ ثمنه مفارقة روحك لجسدك!
قد يكون الفراق أمراً لا بد منه؛ لحفظ الودِّ، وبقاء الحُبِّ، ولا تسَل كيف، واسأل عن حالِ كُل شيء بعدهم، ستجد الحياة لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، قال أبو الطيّب:
يَا مَنْ يَعِزّ عَلَيْنَا أنْ نُفَارِقَهُمْ
وجدانُنا كُلَّ شيءٍ بَعدَكمْ عَدَمُ
فراقكم عزيزٌ علينا، لكنه مفروضٌ علينا، فرضته صروف الدهر، وسُنة الحياة، إنما لا بد أن تعلموا أن كُلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ.
ما أعجب صدفة اللقاء، وما أعجب الفراق بعده، وما أعجب اللقاء العجيب الذي كان السلامُ فيه هو الوداع! قال أبو الطيب، وهو يفدي من أحب بأبيه:
بِأَبي مَن وَدِدتُهُ فَاِفتَرَقنا
وَقَضى اللَهُ بَعدَ ذاكَ اِجتِماعاً
فَافتَرَقنا حَولاً فَلَمّا التَقَينا
كانَ تَسليمُهُ عَلَيَّ وَداعا!
أليست أماكن اللقاء، تذكر المحب بالمحبوب فتسيل الدموع؟ لم يبكِ لأنه رآها بل لأنه رأى الأطلال التي ذكّرته بأيامهم وكأنها تدعوه للقاء فلم يجب إلا دمعه، الذي فضحه بين أصحابه، فمنهم من عذره، ومنهم من عذله:
أجابَ دَمعي وما الدّاعي سوَى طَلَلِ
دَعَا فَلَبّاهُ قَبلَ الرَّكبِ وَالإبِلِ
ظَلِلْتُ بَينَ أُصَيْحابي أُكَفْكِفُهُ
وَظَلّ يَسفَحُ بَينَ العُذْرِ وَالعَذَلِ
لما كُلُّ هذا البكاء يا أبا الطيب؟، قال:
وَمَا صَبابَةُ مُشْتاقٍ على أمَلٍ
مِنَ اللقَاءِ كمُشْتَاقٍ بلا أمَلِ
كأنه يقول: إن الذي يشتاق للأحبة وعنده أملٌ أن يلقاهم، ليس كالذي يشتاق ويحرق الشوق قلبه وهو يعلم أنه ليس لديه أملٌ أبداً في اللقاء، فهو أسير الصبابة التي لا ترحم.
قبل الختام.. كُنَّا نترنمُ ونحن صغارٌ بشعر إبراهيم ناجي، وأنتم تعلمون كيف ترنمنا! لكني عدتُ أقرأُ شِعرَه مُستذكراً فهالني وصفُ الوداع:
يا حبيبي.. كلُّ شيءٍ بقضاء
ما بأيدينا خُلِقْنَا تُعَسَاء
ربما تجمعُنا أقدارُنا
ذاتَ يومٍ بعدما عزَّ اللقاء
فإذا أنكرَ خِلٌّ خِلَّه
وتلاقينا لقاءَ الغرباء
ومضى كُلٌّ إلى غايته
لا تَقُلْ شئنا فإنَّ الحظَّ شاء!
بل: فإنَّ الله شاء.
ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...