alsharq

ياسر الزعاترة

عدد المقالات 611

إبداع الرواية والتاريخ في «الشراع المقدس» لآل محمود

19 نوفمبر 2014 , 07:25ص

في روايته الثانية بعد «القرصان» يسجل عبدالعزيز آل محمود قفزة كبيرة في إبداعه الروائي، ما يضعه دون مجاملة في مصاف كبار الروائيين، بخاصة من يعنون منهم بالتنقيب في صفحات التاريخ ونقله إلى القارئ بشخوصه وأحداثه عبر إبداع روائي يجعله أكثر قربا من القارئ الهارب من صفحات التاريخية التقليدية؛ البليدة في كثير من الأحيان. هنا في «الشراع المقدس» التي صدرت حديثا عن دار بلومزبري تنبض الأحداث بحيوية من طراز مختلف، حيث تنتقل بك إلى الجواني فيها، وليس الظاهر فقط. تنقل إليك نبض البشر والمدن والمجتمعات التي تمر بتحولاتها المختلفة، مع نقل مبدع لعبق الأمكنة يجعلك جزءا منها؛ تتنسم هواءها، وتأكل من طعامها، وتركب بحرها وتشرب من مياهها. في «الشراع المقدس» ينقلنا عبدالعزيز آل محمود إلى حقبة بالغة الأهمية من تاريخ هذا العالم المضطرب بالأحداث، وحيث الصراع يدور على الجغرافيا ومعابر التجارة، بخاصة تجارة البهارات مع الهند، كما تدور حول الهوية، هوية العالم في تلك الأثناء. ورغم مروره بأماكن بعيدة، إلا أنه يفعل ذلك من أجل أن يطلَّ على تاريخ هذه المنطقة العربية على وجه الخصوص.. يرسم حركتها مع تشكل جغرافيا العالم مع نهايات القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر، يوم كانت البرتغال وإسبانيا هما الأكثر تأثيرا على المستوى العالمي عشية اكتشاف كريستوفر كولمبوس للعالم الجديد، وقبل أن تتضح الملامح الكاملة لذلك الاكتشاف بعد. هنا حيث الحقبة الاستعمارية البرتغالية والإسبانية، مع قدر من حضور روما، ولكن في سياق من التأثير الديني وحسب. في هذه الحقبة التي تتشكل خلالها بعض الخرائط التي سيغدو بعضها لاحقا مجرد تاريخ، فيما سيثبت قليل منها بهذا القدر أو ذاك. إنها المرحلة الأخيرة من الخلافة العباسية، وبداية الخلافة العثمانية، وحيث الصراع الصفوي العثماني، وصراع المماليك مع العثمانيين، وصولا إلى نهاية دولتهم على يد السلطان سليم الأول. من حاضرة إلى حاضرة، ومن مدينة إلى مدينة، ينتقل بنا آل محمود في قالب روائي رائع نحو استكشاف ملامح تلك المرحلة، بصراعاتها، بدمويتها، برائحة الموت الذي يحمله الغزاة البرتغاليون إلى الشرق. بصراعات الملوك والأمراء، بأسماء المدن التي ثبتت أو تغيرت. بالحواضر وما تحمله من ملامح البشر والمناخ والثروات واللغات. في كل ذلك يكون البحر سيد الموقف، فهنا والآن ليس ثمة طائرات تجوب الآفاق، بل سفن (صغيرة وكبيرة) تمخر عباب البحر، وعلى متنها تدور المعارك، ومن خلالها ينتقل البشر وتنتقل الثروات. هنا والآن تبدأ ملامح مرحلة البارود القادر على سفك المزيد من الدم، والذي تواجهه السيوف والرماح فتتكسر أمام جبروته، بينما تسقط القلاع أمام سطوة المدافع الحديثة. مرحلة بالغة الحيوية من تاريخ هذه المنطقة؛ من مصر إلى الخليج، ومن البحر الأحمر إلى المتوسط وصولا إلى أدغال إفريقيا وإيران حتى الهند؛ يطوف بنا الروائي المبدع في مدن بلا عدد، ونعيش أجواءها في تلك الحقبة بكل تفاصيلها التي يبدع في نقلها وجعل القارئ يعيشها كما لو كان يشاهد فيلما سينمائيا، ولا يقرأ من كتاب تاريخ. لو كان للعرب هوليوودهم، لكان على هذه الرواية أن تتحول إلى فيلم رائع، قد يكلف مئات الملايين، لكنه سيدر أرباحا أكبر بكثير، تماما كما الأفلام التاريخية الكبرى التي أنتجتها السينما الأميركية، ولولا الروح العربية التي تسري في سطورها، لربما التقطها مخرج أميركي ليصنع منها فيلما عظيما، مع أن قابليتها لأن تكون مسلسلا رائعا واردة أيضا، رغم أبطالها الكثيرين الذين يحضرون ويغيبون من مدينة إلى مدينة ومن ميناء إلى ميناء، ومن معركة إلى معركة. حتى الحب الذي يراه البعض ضروريا في الرواية، يحضر هنا بشكل حقيقي لا ابتذال فيه، وبشخوص حقيقية أيضا، فكل شيء هنا في الرواية حقيقي من زاوية الأمكنة والشخوص، ربما باستثناء حليمة التي تحضر في كتب التاريخ من دون أن يُعرف اسمها على وجه الدقة. لا تحتمل الروايات التاريخية ذات العلاقة بصراعات السياسة والجغرافيا الكثير من الرومانسية، فهنا والآن صراعات يسيل فيها الدم أكثر من همسات الحب، وتزدحم فيها السطور برائحة الموت، لاسيَّما أنها مرحلة صراع تاريخي على تشكيل العالم في ذلك الوقت، والذي يتوقف عند انتصار العثمانيين ودخول المنطقة حقبتهم الطويلة المحملة بالكثير من الانتصارات، وبالكثير من الخيبات أيضا بعد تقدم أساطيل الغرب من جديد رافعة شعار الصليب، وربما بذات الشراع المقدس إياه كي تلتهم هذه المنطقة وتعيد رسم خرائطها من جديد. من الصعب التفصيل أكثر في رواية طويلة تزدحم بالتفاصيل، لكن المؤكد أن القارئ سيجد فيها الكثير من التاريخ، والكثير من الإبداع، والكثير من التقنيات الروائية التي تشده ولا تدعه يتركها، وإذا تركها لبعض الوقت لطول ما تحتاجه من وقت، فإنه لن يدعها تبتعد كثيرا عن متناول يده حتى يعود إليها ويكملها حتى آخر سطر فيها. تستحق هذه الرواية أن تكون سيدة الرواية العربية في العام 2014، فهي ليست أوهاما عابرة تباع على القارئ، بل حشد من سطور التاريخ جرى تجميعها بدأب عجيب، ومن ثم سبكها بطريقة رائعة تخلط التاريخ بالسياسة بالفلسفة لتشكل لوحة بالغة الروعة تستحق الكثير من الاحتفاء من القراء والنقاد في آن. في الخلاصة تقول لنا الرواية: إن منهج الغزاة قديما وحديثا هو ذاته؛ رفع أشرعة مقدسة من أجل غايات دنيئة، كما أن تناحر الحكام المحليين هو ذاته دون نظر أكثرهم لمصير الأمة، والمقاومة أيضا هي ذاتها، فعلى هذه الأرض من يقاومون الغزاة دون توقف. أما الأهم، فهو أن العنوان هو ذاته أيضا. فالغزاة يريدون بيت المقدس لأنه عنوان الصراع كان ولا يزال. • @yzaatreh

عن كتاب «قراءة استراتيجية في السيرة النبوية»

هناك إشكالية كبرى واجهت وما زالت تواجه القراءة الإسلامية التقليدية للسيرة النبوية في أبعادها السياسية والعسكرية أو الاستراتيجية، وتتمثل في حصر الأمر في الأبعاد الإيمانية وحدها دون غيرها، وجعل التقدم والتراجع، والنصر والهزيمة، محصوراً فيها؛...

ما هو أسوأ من مخطط الضمّ

ها نحن نتفق مع صائب عريقات، مع أننا كثيراً ما نتفق معه حين يتحوّل إلى محلل سياسي، رغم أن له دوراً آخر يعرفه جيداً، وإن كانت المصيبة الأكبر في قيادته العليا التي ترفض المقاومة، وهي...

فقراء العرب بعد «كورونا» والأسئلة الصعبة

أرقام مثيرة تلك التي أوردتها دراسة نشرت مؤخراً للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، بشأن الفقر في المنطقة العربية، والتباين الطبقي فيها. قالت الدراسة إن مجموع الثروة التي يملكها أغنى 31 مليارديراً في المنطقة؛ يعادل...

ترمب في شهور الهذيان.. ماذا سيفعل؟

منذ ما قبل فوزه بانتخابات الرئاسة، يمثّل ترمب حالة عجيبة في ميدان السياسة، فهو كائن لا يعرف الكثير عن السياسة وشؤونها وتركيبها وتعقيدها، وهو ما دفعه إلى التورّط في خطابات ومسارات جرّت عليه سخرية إعلامية...

عن «كورونا» الذي حشرنا في خيار لا بديل عنه

الأربعاء الماضي؛ قال الدكتور مايك رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية، إن فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19)، «قد لا ينتهي أبداً»، و»قد ينضم إلى مزيج من الفيروسات التي تقتل الناس في جميع...

بين ساسة التطبيع وصبيانه.. والصهينة أحياناً

بين حين وآخر، تخرج أنباء من هنا وهناك تتحدث عن لقاءات تطبيعية عربية من العيار الثقيل، ثم يتم تداولها لأيام، قبل أن يُصار إلى نفيها (أحياناً)، والتأكيد على المواقف التقليدية من قضية الشعب الفلسطيني. هناك...

مشروع التصفية الذي لم يوقفه «كورونا»

في حين تنشغل القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية بقضية «كورونا» على نحو أكثر تشدّداً من الدول الأخرى (عقدة الدولة قبل تحرير الأرض هي أصل المصائب!)؛ فإن سؤال القضية الأساسية للشعب الفلسطيني يتأخر قليلاً، لولا أن...

أيهما يتفوّق: «كورونا» المرض أم «كورونا» الاقتصاد؟

الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، يقيل وزير الصحة؛ وذلك بعد خلافات بينهما حول جدل «الاقتصاد أم الأرواح». حدث ذلك رغم ما حظي به الوزير من شعبية واسعة في البلاد، بسبب مكافحة تفشّي وباء فيروس كورونا. ترمب...

عن أسئلة «كورونا» وفتاواه

منذ أسابيع و»كورونا» هو شاغل الدنيا ومالئ الناس، ولا يتقدّم عليه أي شيء، وتبعاً لذلك تداعياته المحتملة على كل دولة على حدة، وعلى الوضع الدولي بشكل عام. وإذا كانت أسئلة المواجهة بشكل عام، ومن ثَمّ...

عن الرأسمالي الجشع والمواطن الفقير في زمن «كورونا»

ماطل ترمب كثيراً في اتخاذ أي إجراء في مواجهة «كورونا» من شأنه أن يعطّل حركة الاقتصاد، ولولا ضغوط الدولة العميقة لواصل المماطلة، لكنه اضطر إلى التغيير تحت وطأة التصاعد المذهل في أعداد المصابين والوفيات، ووافق...

«كورونا» والدول الشمولية.. ماذا فعلت الصين؟

في تحقيق لها بشأن العالم ما بعد «كورونا»، وأخذت من خلاله آراء مجموعة من الخبراء، خلصت مجلة «فورين بوليسي» الشهيرة إلى أن العالم سيكون بعد الجائحة: «أقل انفتاحاً، وأقل حرية، وأكثر فقراً». هي بشارة سوء...

عن «فتح» من جديد.. أين الآخرون؟

نواصل الحديث عن حركة «فتح» أكثر من «حماس» التي اختلفنا معها حين خاضت انتخابات السلطة 2006، وكذلك إثر الحسم العسكري في القطاع رغم مبرراته المعروفة، والسبب أن الضفة الغربية هي عقدة المنشار في مشهد القضية...