الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
10:42 ص بتوقيت الدوحة

غازي.. الوزير الشاعر المظلوم!

د. موسى آل هجاد الزهراني
منذ أن كنتُ صغيراً واسم غازي القصيبي يتردد أصداؤه في جنبات البلاد، على أنه الوزير الصارم المرعب، الذي يعرف كل شاردة وواردة، وكنتُ أرى صوره تُزين الصحف، في وقتٍ كان للصحف كلُّ هيبةٍ وتقدير واحترام، وكنتُ أشعر بالفخر إذا رأيته لسببٍ لا أعلمه.
فلما كبرتُ علمتُ أنه أديبٌ وشاعرٌ، وأنا من عاشقي الشعر والأدب، رغم قسوة أيامي الأولى، وصرفها لي عن دروب الشعر والأدب، ثم علمتُ أيضاً أنّ غازي لم يسلم من سهام زمانه، فهذا يقول عنه إنه علماني! فيرد غازي بذكاء شديد في لقاء صحفي بقول الله تعالى: «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ «
، وهذا يصفه بأنه: إن اعتقد ما يقول بأن جزيرة العرب لم تر النور منذ ثلاثة آلاف سنة فقد كفر! ونسي أن الرجل كان وزيراً للصناعة والكهرباء!
ما تمنيت لقيا أحدٍ مثلما تمنيتُ لقاءه، لكنَّي كنتُ خائفاً منه! فلما اطمأننتُ كان الموتُ أسبق، هل تكفي مقالة ضعيفة كهذه للتلذذ بأدب وشعر غازي؟
غازي العاشق.. الذي اصطلى بناره، وعاش لياليه الساهرات، وعاتب من تناستْ عشقه:
حسبي و حسبُكِ حلمٌ في تنفُّسِه **
ما في العوالمِ من طِيبٍ و من رغدِ
عشنا على راحتيه نشوةً ضحكتْ **
لنا.. وما ابتسمتْ قبلاً على أحدِ
ما كان يوماً ولا يومين موعدُنا **
بل كان عُمراً وعشناهُ إلى الأبدِ
هل كان جريئاً إذ يطلب العذر من غير غادته الشقراء؟
اعذريني، فليس قلبي عندي **
إنه عند غادةٍ شقراءِ!
لم أخنْ حُبّنا ولكنَّ قلبي **
فرَّ مني في لحظةٍ هوجاءِ
اعذريني فالنارُ تشتاقها الأضلعُ **
إن كابدتْ صقيعَ الشتاءِ
غازي.. عاشقٌ للمتنبي، وكان على ضفاف (البحرين) يتأمل قصيدته الخالدة:
مَا لَنَا كُلُّنَا جَوٍ يا رَسُولُ **
أنَا أهْوَى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
فما استطاع غازي أن يغادرها حتى عارضها بأبيات رثاءٍ لصديق عمره البحريني، الذي كان يشاركه لياليه وهو يتلو أشعار المتنبي، فقال يرثيه ويرثي نفسه:
يا أعزَّ الرجال ماذا تقولُ **
أطويلٌ هذا الأسى أم يطولُ؟!
وليالي الفراقِ، كيف تراها **
وشعاع الصباح فيها قتيل؟
والمغاني الطلول هل تسترد الفرح **
الغابر المغاني الطلول؟
والزمان الذي دفناه ظهرا **
أترى يرجع الزمان الجميل؟
يا أعز الرجال! يعرف قلبي **
أن حمل الفراق عبء ثقيل
ولياليه موحشاتٌ شُكول **
وأماسيه رنةٌ وعويلُ
ثم يتذكر وجه صاحبه، وكأنه يواسيه:
وتراءيتِ لي ووجهُك حُبٌّ **
وحنينٌ، ولهفةٌ، وذهولُ
وتأملتني، وقلت: تجلّدْ! **
لا أطيقُ الدموع حين تسيلُ
هذه سُنّةُ الحياة، غروبٌ **
وشروقٌ، ومنزلٌ، ورحيلُ
وكبيرٌ يمضي، ويأتي صغيرٌ **
وفصولٌ وراءهنّ فصولُ
ويطلب منه أن يعود من دار الخلود ليغردا معاً:
وهنا خيمةُ القصيد، أعِدْ لي **
«مَا لَنَا كُلُّنَا جَوٍ يا رَسُولُ»!
ثم يعترف بأنه على مشارف توديع الحياة فقال يخاطبه:
يا أعزَّ الرجال! انتصف الليلُ **
كلانا في صُبحه مشغولُ
نَمْ قريراً، لديك حزني وضحكي **
«فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ»؟!

رحم الله غازي القصيبي!

اقرأ ايضا

مشاعر الشعراء

21 ديسمبر 2016

دموع بغدادية!

09 مارس 2016

المتنبي وفلسفة الموت

26 أكتوبر 2016

رجولة عظيمة

18 نوفمبر 2015

بكاؤهم!

12 أبريل 2017