بين طريقين..!!
19 مارس 2015 , 01:58ص
التهويل مرض، والتهوين غرض، وكلاهما مضر، فمعهما تغيب الحقائق، وتتفرق السبل، وتنتفي الموضوعية. أتحدث عن مؤتمر دعم الاقتصاد المصري، الذي اختتم أعماله منذ أيام قليلة في مدينة شرم الشيخ السياحية. والذي أحدث انقساما شديدا في تقييمه، كما هي أشياء كثيرة في مصر، بين تيارين، الأول هم المتفائلون، الذين تعاملوا مع أحداث المؤتمر، على أنه فتح جديد للاقتصاد المصري، وأن وجود هذا العدد الكبير من الدول المشاركة، بمستويات رسمية متفاوتة، سواء قادة، ملوك ورؤساء دول ووزراء وسفراء، ناهيك عن ممثلي شركات دولية وعربية، تسعى إلى البحث عن فرص استثمار في مصر، هو إعلان نجاح مبكر للمؤتمر، وأن الاقتصاد المصري ومعه الأوضاع الاقتصادية والتنمية بعد المؤتمر، سيختلف بشكل جذري عنه ما قبل المؤتمر، والذي سينهي كل أزمات مصر على كافة المستويات، وتوقفوا عند مئات المليارات التي تم الإعلان عنها أثناء المؤتمر، كدليل مضاف إلى النجاح الباهر له. أما التيار الثاني، فهم المتشائمون الذين لم يروا أي إيجابية في كل ما جرى، بل تعاملوا معه على أنه مؤتمر للعلاقات العامة، تجمع للكثير من السياسين، كل لأسبابه الخاصة، كان فيه ضجيج سياسي، افتقد النتائج على الصعيد الاقتصادي، بل إن البعض أشار إلى أنه جاء، لجمع التبرعات والمعونات من دول الخليج تحديدا.
ودعونا نتخذ طريقا ثالثا بين طريقين، نسعى من خلاله النظر إلى المؤتمر، في ضوء نتائجه بصورة صحيحة تتسم بالواقعية، وبقدر أكبر من الموضوعية، ولعل بداية الفكرة من خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، كانت محاولة لخلق دعم سياسي لمصر بعد 30 يونيو 2013، وكانت الفكرة هي عقد مؤتمر للمانحين، قوبلت بمواقف متناقضة، ما بين الامتنان على الدعوة، وموقف صاحبها. وبين التحفظ على أساس فشل كل المؤتمرات السابقة المماثلة، التي تم عقدها لإنقاذ اقتصادات دول مأزومة، مثل اليمن وأفغانستان وسوريا. وبعدها اتخذ المؤتمر مسارا آخر، في ظل رعاية مباشرة من السعودية والإمارات؛ حيث تم تكليف شركات عالمية بتنظيم المؤتمر، الذي تحول إلى مظاهرة سياسية وتظاهرة اقتصادية، ولعل الهدف الأول، هو تأكيد شرعية نظام ما بعد 3 يوليو، وظني أن الشرعيات لا تكتسب من خلال المؤتمرات، ولا من خلال مواقف الدول، والتي تخضع إلى اعتبارات المصالح، والعلاقات وأهمية الدولة ودورها في المحيط الإقليمي، والأهم من ذلك كله، قبول الشعوب نفسها بقيادتها، في ضوء حجم ما يتم تحقيقه، من إنجازات وتطلعات المواطنين. ولم يكن الأمر في حاجة إلى مؤتمر، يشارك فيه عشرات الدول، خاصة أن هناك ما يسمى بشرعية الأمر الواقع، وهو الذي تتعامل به دول عديدة مع الحالة المصرية، فقد يكون لها تحفظات على سياسات النظام، وطريقة وصوله إلى السلطة، ولكنها بحكم الاضطرار تقبل به.
ويهمنا أن نتوقف عند حقيقة مهمة، أشار إليها الكثيرون ومنهم من هم محسوبون على النظام الحالي في مصر، وهي أزمة غياب مفهوم محدد للتنمية في مصر، أبعادها والأهداف المرجوة منها، خاصة أن مصر في سنوات مبارك الأخيرة وصل معدل النمو فيها، إلى أكثر من %9، وكان ذلك مصدر تفاخر للنظام، دون أن ينهي ذلك المشاكل الحقيقة للمصريين، ومن ذلك ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، مع قصر الاستفادة من تلك النسب المرتفعة للتنمية، على عدد من رجال الأعمال من المحسوبين على النظام السابق، والذين يعودون بقوة إلى تصدر المشهد السياسي والاقتصادي المصري، وكان ذلك أحد أهم الأسباب التي أدت إلى قيام ثورة 25 يناير 2011، كما أن المسألة لا تتعلق بتوافر أموال من مساعدات أو قروض ميسرة أو هبات، فالاقتصاد المصري يعتمد على ذلك منذ سنوات ليست قليلة، وفي كل العصور، وزادت المعادلات في الآونة الأخيرة، لدرجة أن عددا من دول الخليج قدم لمصر أكثر من 30 مليار دولار بعد 3 يوليو، دون أن يكون هناك كشف حساب واضح، لآليات التعامل مع هذه المبالغ وصرفها، أو شعور محدد لدى رجل الشارع العادي في مصر، بتأثير مباشر لتلك المبالغ على تحسين أحواله المعيشية، وهي نفس المخاوف التي تنتاب البعض بعد الإعلان عن 135 مليار دولار، ما بين عقود واتفاقيات ومذكرات تفاهم، ومن بينها 12.5 مليار دولار، من أربع دول خليجية.
وقد أكدت نوعية المشروعات التي تم الإعلان عنها، فكرة غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة للحكومة، ومعظمها لا يمس بشكل مباشر احتياجات الشعب المصري، أو حل مشاكله الحياتية خاصة، في ظل المعاناة الشديدة من انقطاع الكهرباء في أشهر الشتاء، أو نقص أنابيب الغاز والمحروقات، ناهيك عن زيادة معدلات البطالة، فالمؤتمر اهتم بالإعلان عن حجم المليارات المستثمرة، دون أن يكشف عن حجم فرص العمل التي ستوفرها للمصريين، كما أن الشركات العالمية وأصحاب رؤوس الأموال، ليست في حاجة إلى مؤتمر مثل ذلك، للإعلان عن استثمارتها، والأمر لديها يخضع إلى دراسات مكثفة، وسابقة تضع في اعتبارها البيئة الاستثمارية، وعوامل الأمان والاستقرار، وفرص تحقيق الأرباح والمكاسب، ولهذا فإن العديد من المشروعات التي تم الإعلان عنها أثناء المؤتمر، سبق أن تم الاتفاق عليها بين الشركات العالمية والمؤسسات المصرية، بل إنها كانت معروضة وبشكل شبه كامل، أمام ملتقى الاستثمار الخليجي، الذي شهدته مصر من أكثر من عام، وليس فيها جديد سوى رغبة القائمين على المؤتمر، في إعادة الإعلان عنها، واستفاد من ذلك الطرفين معا، مصر من جهة لتحقيق الهدف الإعلامي من المؤتمر، أما الشركات فإنها تستفيد من ذلك الزخم السياسي والاقتصادي، ومن ذلك العقد الخاص بين وزارة البترول المصرية وإحدى الشركات الإيطالية، حول التنقيب عن الغاز والنفط في الدلتا والبحر المتوسط.
ولعل المشروع الأهم، الذي تم الإعلان عنه، يؤكد نظرية غياب الرؤية الاقتصادية، ونقصد إقامة عاصمة إدارية جديدة لمصر، فقد بدأت الفكرة في زمن الرئيس الأسبق أنور السادات في عام 1976، بل ووضع حجر الأساس لها، وعادت للظهور مرة أخرى في عهد مبارك وتحديدا في عام 2007، عندما أعلن صفوت الشريف وكان أمينا عاما للحزب الحاكم ورئيس مجلس الشورى، الانتهاء من وضع تخطيط لإنشاء عاصمة جديدة، وتكرر طرح الفكرة عام 2009، وفي العام التالي وهذه المرة تبناها جمال مبارك، وذلك للانتهاء منها في عام 2050، كما ناقش مجلس الوزراء الحالي هذه القضية، في اجتماع أخير له، حتى تم الإعلان عنها في المؤتمر، باعتباره الإنجاز الأكبر للمؤتمر، صحيح أن المشروع طموح ولكن تكلفته، كما كشف عن مسؤول الشركة الإماراتية تصل إلى 90 مليار دولار، ويستغرق تنفيذها سبع سنوات، ما يثير العديد من التساؤلات، هل مصر في حاجة الآن إلى مثل هذا المشروع، هو ضروري، ولكنه لا يمثل أولوية لدولة، ما زال اقتصادها يتعافى، يبحث سكانه عن أنبوبة غاز، عن فرصة عمل عن عدم انقطاع الكهرباء، عن مسكن مناسب عن توافر مياه الشرب، ومن أين سيتم توفير الأموال.
usama.agag@yahoo.com •