alsharq

جيهان أبوزيد

عدد المقالات 103

سألتني: هل سبق وتحدثت إلى جسدك؟

18 يونيو 2012 , 12:00ص

دخلتٌ إلى القاعة وسمعتها تقول «الجسد له جهازان للسمع، أحدهما لسماع العالم الدنيوي، والآخر لسماع الروح، وجهازان للرؤية، أحدهما للبصر العادي والآخر للبصيرة، ونوعان من القوة، القوة العضلية والقوة الروحية التي لا تقهر، إن قائمة ثنائيات الجسد لا تنتهي». وأضافت: وفضلاً عن الحواس الخمس التي اعتدنا على سماعها هناك الحاسة السادسة، تلك هي البشرة الخارجية للجلد وطياته الأعمق وأنسجته التي تسجل ما يجرى حوله، إنه مثل حجر رشيد المصري الذي كُشفت به أسرار اللغة الهيروغليفية. الجسد مخلوق متعدد اللغات، فهو يتحدث من خلال لونه ودرجة حرارته، وتوهج الإدراك، وتورد الحب، شحوب الألم، حرارة التوقد وبرودة عدم التواصل، هو يتحدث من خلال رقصه وهزاته الخفيفة، وأحيانا المتمايلة أو المرتعشة، هو يتحدث من خلال قفزات القلب. تكشف بثور الجسد عن بثور الروح، ولأننا لا نتمكن من تقيؤ ذكريات الألم، نتقيأ الطعام ، أو نودع إحباطنا في مكان ما بجسدنا فيمرض، يتورم أو يتوقف أو يضعف، لا يصمت الجسد حين نلقي بأعبائنا عليه،إنه يصرخ بطريقته ويعترض. جمع اللقاء بعض المفتونين بكتاب «نساء يركضن مع الذئاب» لمؤلفته كلارسيا بنكولا، كانت المحاضرة إحدى أكثر النساء احتراما لجسدها، تفتخر بأنها لم تهن وجهها بأدوات التجميل، ولم تفرض على جسدها نظاما ليضعف أو يزيد وفقا لأهواء الإعلام والرجال، لكنها اعترفت ببساطة أنها تجيد سماع جسدها، بل إنها تعرف كيف تربت على ركبتها حين تؤلمها من السير الطويل. ما إن أنهت محاضرتها حتى ارتفعت يد أحد الشباب وقال: جسدي، ملطخ بالبقع وبالألوان لأني أقع كثيرا، أتعثر في كل شيء، أتعثر في سلم منزلي، وفي أرصفة الشوارع، وحتى في حذاء طفلي. لم تعلق كثيرا لكنها سألته: أترفع رأسك وتنظر للطريق قبل أن تخطو خطوتك الأولى؟ ثم كان أن أدهشتنا إحدى الحاضرات حين سألت عن أسباب تركز كل أوجاعها في الجانب الأيسر، بهدوء سألتها سؤال آخر، هل تتلقي حاجتك من الحب والحنان؟ صمتت السيدة ولم تجد الإجابة.. اعتبرت الحضارة الهندية الجانب الأيسر في جسد الإنسان بمثابة منارة للعاطفة، وحين يمرض جزء في ذلك الجانب فهذا يعني خللا ما، وحين يتكرر المرض في ذات الجانب فهو صراخ جديد يعبر عن فقد الحب، في حين اعتبر الجانب الأيمن هو المعبر عن العمليات العقلية، وحين يمرض عضو من سكان الجانب الأيمن، فعلينا إراحة العقل أو الذاكرة أو وقف الجدال. اعتبرت الأساطير أن الجسد هو الغطاء الذي يلبس روحنا، وألمحت حكاية «البساط السحري» الذي يستطيع راكبه الانتقال به إلى عوالم أخرى فيرى الجبال والمحيطات، أن راكب البساط السحري ينتقل إلى عوالم أخرى وإلى معرفة أخرى ومساحات جديدة من الوعي، وكما يفعل البساط السحري وينقلنا بعيدا عن ما نعرفه، ينقلنا الجسد عبر تحفيز حواسه إلى عوالم أخرى فتأخذنا الموسيقى أو صوت الحبيب الذي تلتقطه الأذن إلى السماء أو إلى الحلم. تضيف المحاضرة العجوز التي يكلل وجهها شعر أشبه بإكليل زهور بيضاء، نحن نميل إلى التفكير في الجسد على أنه ذلك الآخر الذي يؤدي عمله بدون تدخلنا، فيعامل الكثير من الناس أجسادهم كما لو كان الجسد العبد، إذ إنهم يمدونه بالطعام وبقطع الملابس، ثم يطالبونه باتباع أهوائهم كما لو كان عبدا ليس إلا. يقول البعض إن الروح تعلم الجسد، لكن ماذا لو تخيلنا للحظة أن الجسد يمكن أن يعلم الروح، يساعدها على التكيف مع الحياة الدنيوية، يترجم لها ويفسر ويقدم لها الورقة البيضاء والحبر والقلم الذي تستطيع أن تسطر به. فالجسد ليس تمثالا رخاميا، لكنه خلق لكي يحتوى ويدعم، ليشعل الروح والنفس بداخله، ليكن مستودعا للذكريات، يملانا بالمشاعر، هدفه أن يسمو بنا ويحفزنا، يمنحنا أرضا صلبة نقف عليها، يمدنا بالثقل والوزن لكي نظل ثابتين مبدعين.

مصر حتنور تاني

إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...

بين اللجوء والنزوح مساحة ألم

سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...

في قلب القاهرة ماتت «شهرزاد»

«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...

ثلاثة مشاهد لا يربط بينها إلا «المياه»

المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...

في اكتمالي موتي.. وبالنقصان أستعيد الحياة

كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...

وللنساء مع الزلازل شأن آخر

في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...

ولكل منا أريكته الزرقاء.. ولكل منا آذان أخرى

الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...

في المطار يسألونك: أتحب الغناء والفرح!

أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...