


عدد المقالات 80
إِذا غَدَرَت حَسناءُ وَفَّت بِعَهدِها فمِن عَهدِها أَن لا يَدومَ لَها عَهدُ! يا أبا الطيب! قرأنا كثيراً عن أخلاقهن، لكننا لا نظنُّ أحداً وصفها كوصفك لها. إذا نوت الحسناء أن تغدر فإنها تفي بهذا الوعد، أي كأنها وعدت أن تغدر فوفت بعهدها، لأنّ من أخلاقها وشيمتها ألا يدوم لها عهدٌ! أهذه هي أخلاق كل النساء يا أبا الطيب؟ غضب فأجاب: لا.. بل أخلاق الحسناء الفاتنة! الحسناء التي تحسب الناس عبيداً لها، فإن شاءت أذلّتهم، وإن شاءت حررتهم بذُلٍّ فأصبحوا أحراراً في نفوس عبيد. أكمل يا أبا الطيب، فتنهد وقال: وَإِن عَشِقَت كانَت أَشَدَّ صَبابَةً وَإِن فَرِكَت فَاِذهَب فَما فِركُها قَصدُ إن أحبتْ وعشقتْ كانت عاشقة لا يماثلها أحدٌ، تعشق بكل جوارحها، وشغاف قلبها، وتضع مشاعرها على راحتيها تجازف بها، ولا ترى في الحياة إلا عشقها وهيامها وصبابتها وحبيبها! لكن المصيبة كل المصيبة أنها إذا أبغضتْ فقد قال أبوالطيب: اذهب، ولا تنتظر منها شيئاً غير البُغض والكُره، وإنَّ بُغضَها جِدٌّ لا هزلَ فيه، وليس فيه اقتصادٌ، بل يخرج من صميم قلبها. أهكذا يا أبا الطيب؟ سكتَ ولم يجبني! وأكمل بعد أن تنهد حسرةً: وَإِن حَقَدَت لَم يَبقَ في قَلبِها رِضًا وَإِن رَضِيَت لَم يَبقَ في قَلبِها حِقدُ لماذا تحقد؟ ألأنها رقيقة المشاعر، قطراتُ الندى تُجرِّح خديها، ولمسُ الحرير يُدمي بنانها؟ فتشعر بأنّ نسمة الهواء التي لم تكن كما تهوى إهانةٌ لها فتحقد؟ وإذا حقدت الحسناء لم يبق في قلبها مجالٌ لأي رضا، أما إذا رضيتْ فإنها تنتشي ولا يبقى في قلبها مجالٌ لحقد، من أعجب الأمور هذا. قال صاحبي أبوالطيب مختصراً فلسفته في أخلاقهن: كَذَلِكَ أَخلاقُ النِساءِ وَرُبَّما يَضِلُّ بِها الهادي وَيَخفى بِها الرُشدُ هكذا هُنَّ، يجعلن العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً، ويفقد العاقل عقله عندهن، ويبكي من لا يعرف البكاء، ويسهر من لم يصاحب الليل إلاّ نائماً، ويذهل عن نفسه وعمن حوله، ويحزن بلا سببٍ، ويمرض بلا مرضٍ. أتُرى يا أبا الطيب أنها ربما تتذكرُ يوماً شيئاً من حبه وعشقه فتذرف عيناها؟! أتسمح لي يا أبا الطيب أن أذكر صاحباً لك شكا من أخلاقهن فقال: حلفَتْ لنا أن لا تخون عهودنا فكأنما حلفتْ لنا أن لا تفي!! حلفتْ هي أن تبقى على العهد، فكأنما حلفت ألا تبقى على العهد! ومع هذا كله فإنّ أبا الطيب يعترف بأنه يحبها، وأن حُبَّها خامرَ قلبَه وخالطَه، ولا يزداد مع مرور الأيام إلا شغفاً بها وهياماً وعشقاً: ولكنّ حُبًّا خامَرَ القَلْبَ في الصِّبَا يَزيدُ على مَرّ الزّمانِ ويَشْتَدُّ نعم.. فأنت الذي وصفت فضيحة الأشواق في قلوب العشاق بقولك: وَإذا خامَرَ الهَوَى قَلبَ صَبٍّ فَعَلَيْهِ لِكُلّ عَينٍ دَلِيلُ! بعد الغرق: تَوَلَّعَ بِالْعِشْقِ حَتَّى عَشِقْ فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ رَأَى لُجَّةً ظَنَّهَا مَوْجَةً فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا غَرِقْ! إلى اللقاء!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...