الجمعة 11 رمضان / 23 أبريل 2021
 / 
07:56 م بتوقيت الدوحة

الذهب يبقى ذهباً

منى العنبري

من أنعم الله عليه بقلب رحيم، وعقل حكيم فقد ملك الخير الكثير، ولن يكون عُرضة للإصابة بأمراض نفسية تقتل ما هو جميل في حياته، وتكون مدية حادة تفصل بها علاقاته بالآخرين. فما هذا المرض الذي بسببه تتدهور العلاقات الاجتماعية، وتتقطع حبالها؟ وهل بالفعل يستحق أن نصفه بالمرض القاتل؟ وكيف ينفّذ جريمته؟
إن حياتنا لا تخلو من سوء الفهم، فهو يحيطها من كل جانب، وينتهز أي فرصة تمنحه تصريح الدخول لتعكير صفوها، ونحن بأيدينا أن نشرع له أبوابنا بكل سهولة، أو نوصدها أمامه، بكل قوة وحذر.
إنني حين أعجز عن فهم الآخرين، أو أسيء الظن بهم، أو أفسر تصرفاتهم بأمور سيئة، فإنني بلا شك أقع في شباك مرض سوء الفهم الذي يجرني إلى أن أضع نفسي في مواقف محرجة، مع من أسأت فهم تصرفاته، وبالتالي ألجأ إلى الغضب، والانفعال السريع بردة فعل خاطئة تخسرني أقرب أصحابي، وأعزهم لي؛ والسبب أنني فقدت قدرتي على فهم الأمر بالشكل الصحيح، وتسرّعت في أحكامي وقراراتي، وحينها يبدأ التوتر في العلاقات، وتتصاعد النزاعات إلى أن تنقطع أواصر قرابة، أو صداقة سنين، ويتباعد الأصحاب، وتطوى صفحات من تاريخهم، أو تمسح بحلوها ومرّها لمجرد إساءة الفهم، وعدم حسن الظن.
إن في إساءة الظن، والتسرّع في الحكم على الآخرين، وعدم التماس العذر لهم، انعكاس لضيق العقل الذي ميّزنا الله به عن بقية خلقه، فما من إنسان حكيم وعاقل، وصاحب قلب سليم يكون رهن إشارة سوء الفهم والظن، ولكن هو أحياناً من تجده محاطاً بأصحاب يسيئون فهمه، ويسلّطون سياط الظلم عليه، ولا يلتمسون له أي عذر إن وجدوه أخطأ في حقهم. فهل سيظل لهؤلاء صاحب؟ يرد الشاعر بشار بن برد:
إذَا كنتَ في كلِّ الأُمُور مُعاتِباً
صَديقَكَ.. لم تَلقَ الذي لا تُعاتبه
 فَعِشْ واحِداً أو صِلْ أَخاكَ فَإنّه
مُقارِفُ ذَنبٍ مَرّةً ومُجانِبه
إن الأصحاب تكشفهم المواقف، وتختبر معادنهم، فمن يسيء فهمك ولا يعذرك لا تتحسر على فراقه، واستبدله بآخر يكون مفتاح ذهب، يفتح قلبك بحسن كلامه، وروعة مشورته، وكريم أخلاقه، يحسن الظن فيك، يلتمس لك عذراً، يقدّر صداقتك ولا يفرّط فيها، ولا ينسى أنك معدن أصيل لا يتغير؛ لأن الذهب يبقى ذهباً. 
هنيئاً لمن ميّزه الله بقلب نقي يتعامل بفطرته وعفويته مع من حوله، فالحياة لن تدوم، ولن يبقى إلا جميل ما صنعت. اللهم اجعل لنا ذكرى طيبة في قلوب الآخرين، وارزقنا القناعة والرضا يا رب العالمين.

اقرأ ايضا

السياحة الداخلية

12 يناير 2021

تعزيز القيم

16 فبراير 2021

خير الأمور أوسطها

02 مارس 2021