الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
03:31 م بتوقيت الدوحة

مسار وعر لـ «التحالف» الروسي - التركي

عبدالوهاب بدرخان
المسافة التي قطعتها تركيا مع روسيا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، كانت ولا تزال محفوفة بالتقلّبات، بدأت باختبار طائرة الـ «سوخوي» التي حلّقت في الأجواء التركية من دون تنسيق، فأمرت أنقرة بإسقاطها «أكتوبر 2015»، لتُطلق اختباراً آخر لحلف الأطلسي «الناتو» لتقويم استعداده لمساندتها في مواجهة مع روسيا، خسرت على الجهتين: عقوبات روسية ضربت التجارة والسياحة، وإحجام أطلسي عن الدعم، مضافة إليه خلافات مع واشنطن حول اتفاقات المشاركة التركية في «الحرب على داعش»، بعد أقلّ من سنة، غداة المحاولة الانقلابية واتهام الأميركيين بالتواطؤ معها، راح الرئيس التركي يعدّل سياساته وصولاً إلى لقاء مع الرئيس الروسي في موسكو، وإطلاق مسار تعاون وتنسيق استراتيجيين أدّيا أواخر 2016، إلى إنهاء معركة حلب وضمان تركي لانسحاب مقاتلي المعارضة السورية إلى إدلب.
كانت تلك أولى موجات نقل المقاتلين إلى المحافظة التي كانت تحت سيطرة المعارضة، وتبعها قوافل من الغوطة الشرقية ودرعا ومناطق أخرى، وكانت أيضاً فرصة لتأسيس مسار أستانا المشترك بين روسيا وتركيا وإيران كقوى «ضامنة» لحلّ الأزمة السورية، غير أن الخط المفتوح بين فلاديمير بوتن ورجب طيب أردوغان، راح يتطوّر في اتجاهات وعرة، فكلما احتدّ الخلاف بين واشنطن وأنقرة، أحرزت موسكو مكاسب كان أهمها خط الغاز إلى أوروبا، وبالأخصّ صفقة صواريخ «أس 400» التي عنت لأميركا وأوروبا، أن أنقرة شرعت في تموضع استراتيجي خارج «الناتو»، لا شك أن الموقع الجغرافي يؤهّل أنقرة لتفعيل فكرة التعاون مع الشرق والغرب، غير أن الواقع يفيد بأن المعسكرين غير جاهزين لقبول هذا الاستثناء لتركيا، فكلاهما يريدها في صفّه وعندما تحتدم الخلافات بينهما فهي التي تدفع الثمن، بدليل أنها تعرّضت لعقوبات من الجانبين.
في إطار الأزمة السورية اشتغل المعسكران على مخاوف تركيا في شأن أمنها القومي وخططها لحمايته، مدّت تركيا نفوذها إلى ما سمّتها منطقة «درع الفرات» بتشجيع روسي وبقبول أميركي بارد، ثم إلى عفرين بتشجيع روسي أيضاً، وحاولت التمدّد إلى شرقي الفرات، لكن الأميركيين فضّلوا ترك منبج ومحيطها للروس والنظام، وعندما حشدت عسكرياً في الشمال الشرقي لتقيم «المنطقة الآمنة»، قوبل ذلك برفض أميركي وروسي، ثم باتفاقات مزدوجة مع أنقرة التي تقول إن واشنطن وموسكو لم تنفذا تعهّداتهما بإبعاد الأكراد ونزع سلاحهم، وها هي أخيراً مشكلة إدلب تنفجر، رغم وجود اتفاق في شأنها بين بوتن وأردوغان، لتنذر تركيا بأن خسارتها في هذه المحافظة ستهدّد وجودها أو تقلّصُه في كل مناطق نفوذها، بل إن خسارتها ستضغط على الوجود الأميركي ولو الرمزي في شمال شرقي سوريا.
افتراق «الحليفين» الروسي والتركي في إدلب، كان يمكن أن يُدار بتوتّر أقلّ لولا افتراقهما أيضاً حول ليبيا، إذ اعتبرت موسكو أن واشنطن شجّعت أنقرة على التدخّل في طرابلس، لذا أسقط الروس «اتفاق سوتشي»، وأعطوا الضوء الأخضر لاجتياح إدلب، وأي اتفاق بديل سيحرص على توكيد خضوع إدلب لسيطرة نظام دمشق، أما الحدّ الأدنى الذي ربما يوافق عليه الروس فهو شريط حدودي ضيّق لمتطلبات الأمن التركي، وأصلاً بات هذا الشريط مكتظاً بالنازحين، نهاية فبراير هي نهاية مهلة حدّدتها أنقرة لإخراج قوات النظام من إدلب، وإذ أيّدتها واشنطن و»الناتو» سياسياً، فليس واضحاً أنهما سيدعمان عملية عسكرية واسعة تقدم عليها، أحد الرهانات على إدلب أن يبقى للمعارضة السورية وجود عسكري على الأرض، ليكون لها وجود في الحلّ السياسي.