التقرير المنتظر!
15 نوفمبر 2014 , 07:01ص
قد يكون من المبكر، الحكم على مضمون التقرير، الذي سيصدر عن لجنه تقصي الحقائق المصرية عن إحداث 30 يونيو 2013 وما تبعها، برئاسة الدكتور فؤاد رياض، ولكن القراءة المتأنية لعمل اللجنة، ومسيرتها منذ تشكيلها قبل عدة أشهر، والتصريحات التي يدلي بها رئيسها تثير القلق، ولا تبعث على الاطمئنان، يضاف إلى ذلك سابقة التقرير المأساة الذي خرج من المجلس القومي لحقوق الإنسان، عن نفس القضية، والمفترض أنه من جهة محايدة، وخرج كما لو كانت وزاره الداخلية والأجهزة الأمنية، هي من كتبته، وليس مجموعة من العاملين في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني، والذي حمل الإخوان المسلمين، كل المسؤولية عن ما جري بعد إحداث 30 يونيو، وركز على إحداث إحراق الكنائس ومنازل الأقباط، وبراءة الأمن من الدماء التي سفكت في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.
ولعل أول الملاحظات التي يمكن التوقف عندها، هي تأكيد الدكتور فؤاد رياض رئيس اللجنة، ودفاعه عن عدم الاستجابة، إلى فكرة تشكيل لجنة دولية محايدة، للبحث في كل ما جرى، متبنيا وجهة النظر الرسمية، من أن مصر دولة ذات سيادة، ولا تقبل أن تكون دولة من الدرجة الثانية، رغم أن الدكتور ذاته كما يعرف نفسه، شارك في العديد من لجان تقصي الحقائق، ويقول بالنص في تصريحات منشورة، من أنه مع أي أزمة في دولة ما، يقوم المجلس الدولي لحقوق الإنسان، بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق من شخصيات وقضاة دوليين، للعمل على كشف الحقيقة، ويضيف أنه شارك في لجنة جولدستون الشهيرة، حول العدوان الإسرائيلي على غزة، صحيح أن المجلس الدولي لحقوق الإنسان لم يطلب إجراء تحقيق في الأحداث، ولكن منظمات دولية عديدة مشهودا لها بالنزاهة والحياد، سعت إلى ذلك، ولم توفق ولم توافق الحكومة المصرية على تقديم أي تسهيلات، السبب يرجع إلى المواءمات الدولية، أكثر من اعتبار ما حدث في مصر بعد 3 يوليو 2013 جرائم تستوجب المساءلة والتحقيق ومحاسبة المتورطين.
كما أن الوقائع القريبة، تشير إلى أن دولا عديدة ومنها البحرين على سبيل المثال، امتلكت من الشجاعة، والرغبة في التوصل إلى حقيقة ما جرى من أحداث في فبراير 2011، إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة لتقصي الحقائق، كان رئيسها من حسن الطالع مصريا، هو الدكتور محمود بسيوني، وأتيحت لها الفرصة كاملة، للالتقاء بمن تريد من كبار المسؤولين، والاطلاع على كافه الوثائق والمعلومات، ووضعت تقريرا مهما، يخالف في بعضه رؤية مملكة البحرين، والتزمت القيادة بتنفيذ ما توصلت إليه من توصيات، وقبلت بكل النتائج، بل شكلت لجنة لمتابعة تلك التوصيات، تصدر تقريرا دوريا حول ما تم إنجازه منها، دون أن يمس ذلك سيادة مملكة البحرين.
والأمر لا يتوقف عند ذلك فحسب، فهناك حالة من التباطؤ الشديد والمقصود من قبل الدولة، في التعامل مع توابع كل ما جرى منذ ثوره 25 يناير 2011، وتداعيات ما حدث بعد 3 يوليو 2013، صحيح أن الدولة المصرية أنشأت وزاره للعدالة الانتقالية، ولكنها لم تقم بواجبها حتى الآن، ولم تتعامل بالجدية الكافية، مع العديد من الملفات، تحت حجة أن مصر تواجه الإرهاب، خاصة أن أول طريق العدالة الانتقالية، هو الاعتراف بالخطأ، والإقرار به، والرغبة في تصحيحه ومعالجته، ومثل هذا الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية، ليست متوفرة الآن وبأي صورة، ويبدو أن الأمر مستمر على ذلك المنوال فتره ليست قصيرة، مع الرغبة في استمرار المواجهة الأمنية، دون البحث عن أي حلول سياسية، ولذلك فلست مقتنعا بما قاله وزير العدالة الانتقالية المستشار إبراهيم الهنيدي، من أنه تم الانتهاء من إعداد مشروع قانون للعدالة الانتقالية، يتعلق بكشف حقيقة ما جرى، من انتهاكات لحقوق الإنسان في السنوات الماضية، ومحاسبة مرتكبيها، والإنصاف وجبر الضرر والتعويض للضحايا وأسرهم، فالوزير نسي في خضم تحمسه، أن القضاء المصري، قام بتبرئة كل رجال الأمن، الذين تورطوا في قتل المتظاهرين في ثورة يناير 2011، وكل الأحداث التي أعقبتها.
وتؤكد التجارب والخبرات الدولية، أن العدالة الانتقالية هي أول خطوة، في طريق استعادة الدول لاستقرارها وأمنها، وهناك تجارب موثقة يمكن الاستفادة منها ودراستها، فكثير من الدول أسست لجانا للكشف عن الحقيقة، والمصالحة الوطنية، لدرجة أن دولة كالجزائر، في سبيل طي صفحة الماضي، والانتقال إلى مرحلة التسامح، أصدرت قانون الوئام الوطني، وتمكنت من إقناع الجماعات المسلحة بالتوقف عن عملياتها، وإلقاء سلاحها، وسعت عبر آليات محددة لجبر الأضرار للضحايا، ودفعت كما تشير بعض التقديرات حوالي 150 مليون دولار، في شكل تعويضات في إطار المصالحة الوطنية، بعد أن وصلت فاتورة الصراع بين الدولة وتلك الجماعات إلى مقتل 150 ألف شخص، وخسارة في الممتلكات والمنشآت بحوالي أكثر من 140 مليار دولار. وفي المغرب، تم تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة في عام 2004، وتناولت كل انتهاكات حقوق الإنسان والاختفاء القسري لحوالي 66 حالة، بالإضافة إلى أنصاف مئات السجناء السياسيين من المعارضة، ولعل تجربة جنوب إفريقيا هي الأشهر، من خلال لجنة الحقيقة والمصالحة، والتي انقسمت إلى لجان فرعية، تناولت انتهاكات حقوق الإنسان، وجبر الأضرار، وإعادة التأهيل والعفو، إلى جانب الحقيقة والمصالحة.
وعودة إلى الملاحظات المبدئية على آلية عمل اللجنة، وإعداد تقرير تقصي الحقائق عن 30 يونيه، فهناك تشتيت لجهودها بصورة واضحة، وكأن الأمر مقصود به، قرار إدانة لفصيل سياسي، دون استهداف كشف الحقيقة، فقد تضمن عملها البحث في 12 ملفا، لا يتوقف عند إحداث فض رابعة والنهضة فقط، ولا يمتد إلى كل ما جرى من مواجهات، أدت إلى سقوط ضحايا عند المنصة، أو الحرس الجمهوري، بل اهتمت أيضا بما يحدث في الجامعات، واستهداف الكنائس، والاغتيالات والطفل والمرأة، والسجون والإرهاب وسيناء، كما صرح بذلك المستشار فؤاد رياض رئيس اللجنة، كما أن الأمر ليس واضحا في آلية التعامل مع النتائج، رئيس اللجنة قدم الملف الخاص بسيناء إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وقال: إنه اللجنة مكلفة بوضع التقرير، وتسليمه إلى الرئيس، بينما نقل عن السيسي أنه مصر ليس لديها ما تخفيه، وعلى اللجنة أن تتعامل مع التقارير، وتعلنه كما تشاء، وهناك نقطة ضعف مهمة في عمل اللجنة، وهي غياب شهود أساسيين في الأحداث، فقد تحدث رئيس اللجنة، عن مقاطعة الإخوان والدكتور محمد البرداعي، وعدم تعاونهم مع اللجنة، رغم أنها لم تلتق مع وزير الداخلية مثلا، بعد الإعلان عن ذلك، ويومها قامت الدنيا، خاصة أن النية اتجهت إلى الذهاب إليه في مقر الوزارة، وليس استقباله في مقرها، وانتهى الأمر إلى الاستماع إلى شهادة إحدى قيادات وزاره الداخلية، وتسليم خطة فض اعتصامي رابعة والنهضة، واعتماد اللجنة على تحقيقات النيابة وهذه نقطه ضعف، ستؤثر بالضرورة على مصداقية النتائج، والاكتفاء بشهادات قيادات الإخوان من خلال التقارير الدولية.
وبعد فأخشى ما أخشاه، أن يكون تقرير لجنة تقصي الحقائق حول توابع 3 يوليو، مثل سابقيه، دون أن تأثير على السلوك السياسي للسلطات في مصر، وأن يتم تجييره في الصراع الدائر في مصر، يدين الضحايا ويبرئ المجرمين، وفي النهاية تغيب الحقيقة، ولو إلى حين.
usama.agag@yahoo.com •