جزاء سنمار!!
15 أكتوبر 2015 , 01:40ص
الحل أو التهميش هما الخياران المطروحان أمام النظام المصري للتعامل مع حزب النور السلفي، وإن كان المؤكد الوحيد أن عمر الحزب قصير بعد أن استنفذ النظام كل أغراضه من وجود الحزب بعد أحداث 3 يوليه 2013.
أما «الحل» فطريقه معروف وخطواته محددة ومرسومة والأسباب جاهزة وهي مخالفته للمادة 74 في الدستور المصري، والتي تمنع قيام أحزاب على أساس ديني وقد حاولت أفراد ومجموعات السير في هذا الاتجاه، ولكن «المواءمات السياسية» في مصر تشير إلى أنه ليس ذلك هو التوقيت المناسب لإجراء كهذا ويبدو أن النظام المصري ما زال في حاجة إلى حزب بمواصفات النور له شكل إسلامي دون أنياب حقيقية في ظل حل كل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية بعد يوليه 2013، وحتى لا يقال إن النظام يستهدف الإسلاميين بغض النظر عن توجهاتهم وتمايز مواقفهم والقرار الصادر منذ أسابيع قليلة من القضاء الإداري لم يكن لصالح حزب النور كما يعتقد البعض ويظن بعض قياداته بل رفض نظر الدعوى على أساس أنها مقامة من غير صفة، وأن المسؤول على إقامة مثل تلك القضايا هو رئيس لجنة الأحزاب ويستطيع النظام الحالي السير باتجاه الحل بدفع هذا الرئيس برفع الدعوى والحصول على حكم من القضاء بمخالفته للدستور وحله في مرحلة قادمة وفقا لمقتضى الحال وسلوك الحزب في مجلس النواب القادم وتوجهاته رغم أنها معروفة.
وليس أمام النظام المصري سوى الخيار الثاني هو «التهميش» وهو أمر في متناول اليد ويستطيعه وبدون أي خسائر سياسية تذكر عبر صناديق الانتخابات البرلمانية التي ستجري خلال أيام في مرحلتها الأولى وبدأت بالفعل مؤشرات عديدة على ذلك من خلال الحملة الشرسة التي يتعرض لها الحزب في كل الأذرع الإعلامية للنظام ومحاولة الجمع بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين في سلة واحدة رغم أن بينهما «ما صنع الحداد» كما يقول المثل المصري الشهير والخلافات بينهما لا تقل عن خلافات الجماعة مع نظام 3 يوليه، ويبدو أن الحزب سيكتشف عبر تلك الانتخابات أنه لا يختلف كثيرا عن «سنمار» ذلك المهندس العبقري الذي استجاب لرغبة أحد الملوك ويدعى النعمان في بناء أفخم قصر له وبعد أن أنجز مهمته على خير وجه كان جزاؤه أمرا من الملك بإلقائه من فوق سطح القصر حتى لا يبني أفضل منه لأحد غيره والقصة معروفة ودلالتها واضحة، فقد انحاز الحزب في أصعب لحظة تاريخية في مصر في 3 يوليه إلى الجانب الآخر وظهر يونس مخيون رئيس الحزب في المشهد الشهير الذي جمع قادة القوات المسلحة وشيخ الأزهر وبابا الأقباط وبعض الشخصيات العامة لينهي حكم أول رئيس مصري مدني منتخب انتخابا حرا رغم أنه قبل أيام كان يقول إن شرعية الرئيس مرسي خطا أحمر وعليه أن يكمل مدته أربع سنوات صحيح أنه لم يشارك في المظاهرات التي دعا إليها تحالف دعم الشرعية في رابعة العدوية وتحفظ علي الانضمام لمظاهرات 30 يونيه ولكنه حسم أمره في «انتهازية سياسية» في الانضمام إلى الطرف الأقوى بعد أن حسم الأمور لصالحه.
ويبدو أن حسابات النور السياسية في ذلك التوقيت تم بناؤها على أساس أنه سيكون «الحصان الرابح في السباق القادم». فهو «الوريث غير الشرعي» لجماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة ونتائج الصدام مع الدولة العميقة والمجلس العسكري لن تكون في صالحهما كما أن مكافأة نظام 3 يوليه أمر بديهي نتيجة هذا الموقف كما أنها كانت فرصة لتصفية حسابات سابقة وخلافات بدأت منذ اليوم الأول لإعلان نشأة الحزب في 24 مايو 2011 كذراع سياسية للدعوة السلفية في الإسكندرية وزادت مع أول انتخابات برلمانية في العام التالي مباشرة حيث خاضها الحزب ضمن تحالف الكتلة الإسلامية، وحصلت على 123 مقعدا كان نصيب النور فيها 111 بنسبة %22 من الأعضاء المنتخبين في المجلس بينما فضل الإخوان الدخول في تحالفات أخرى وإن كانت وفرت لهم الأكثرية في المجلس، ومكنت حلفاءهم من اليسار والناصريين وقوى وطنية أخرى من الفوز بأعداد غير مسبوقة لهم في المجلس انحاز الحزب إلى الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية وقد يكون مفهوما ولكن في الإعادة كانت الطامة الكبرى انحازوا إلى أحمد شفيق ضد الدكتور محمد مرسي، وذهبوا إليه للتنسيق وأنكروا ذلك، ولم يكشف الأمر سوى الفريق شفيق فاضطروا إلى الاعتراف. كما مثلوا «حجر عثرة» للإخوان وزايدوا عليهم واتهموهم بأنهم غير جادين في تطبيق الشريعة الإسلامية بل هم أول من تحدثوا عن «أخونة الدولة» في زمن الدكتور مرسي.
وقدم الحزب خدمات جليلة للنظام طوال السنوات الماضية وعلى رأسها دعم عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية السابقة واعتبر ذلك -كما قال ياسر برهامي أحد قيادات الدعوة السلفية- «تعبدا إلى الله لأنه الاختيار الأقرب لحفظ حقوق المسلمين وغيرهم ووحدة مصر ومنع الفتنة والاضطرابات» ومع ذلك ولأن النظام يعتبره كما لو كان «ورقة كلينكلس» يتم التخلص منها بعد استعمالها فهو يتعرض من خلال الأذرع الإعلامية إلى حرب شعواء تجعل من إمكانية أن يحقق نفس النتائج السابقة أو أن يحل ثانيا في المجلس القادم حلما بعيد المنال وأملا لن يتحقق أبدا رغم أنه اكتفى بالمنافسة على حوالي 200 مقعد لا يمثلون سوى أقل من ثلث عدد المقاعد وقائمتين من بين أربع قوائم، وقد اضطر حزب النور إلى خيانة أفكاره ومبادئه ومنها القبول بترشح أقباط وسيدات كما ينص القانون في القوائم رغم أن ياسر برهامي سبق أن قال «إن النصارى هم صحيح إخواننا ولكنهم كفار» كما قال صلاح عبدالمعبود القيادي في الحزب إنهم يرفضون وضع المرأة والمسيحيين على رأس القوائم.
والحملات لا تنتهي ومنها التذكير بممارسات سيئة لبعض أعضائه السابقين في المجلس ومنهم علي ونيس الذي ضبط في وضع مخل بالآداب في الطريق العام وأنور البلكيمي الذي ادعى تعرضه لحادث سرقة وكان يقوم بإجراء عملية تجميل بالإضافة إلى تذكير الناخبين برفض بعض الأعضاء في المجلس السابق تحية العلم أو أداء القسم في بداية عملهم بالمجلس والأهم ممارسة الإعلام للعبة خلط الأوراق والجمع بينهم وبين جماعة الإخوان المسلمين والترويج لفكرة وجود انفصال تام بين قيادات الحزب وقواعده والتي قامت بدور مهم في اعتصام رابعة العدوية رغم أن أحد قيادات الدعوة السلفية وصف الإخوان «بالخوارج والعملاء» متهما إياهم بالسعي إلى جر البلاد إلى حرب أهلية كما أن هناك تحديات فرضت نفسها على الحزب تساهم في كشف انتهازيته السياسية وأن قياداته على استعداد لبيع دينهم من أجل دنيا غيرهم ومنها موقفهم من قرار رئيس جامعة القاهرة بمنع أعضاء هيئة التدريس من المنتقبات من العمل وكذلك الهجوم الذي يتعرض له الحزب من أحد أعضاء الحكومة وزير الثقافة حلمي النمنم الذي قال إن مصر دولة علمانية واتهامه للحزب باستخدام الدين في الدعاية الانتخابية.
الانتخابات ونتائجها المتوقعة تقول لحزب النور «انتهى الدرس يا...» وشكرا على تعاونكم السابق ولكننا لسنا في حاجة إليكم الآن!!
usama.agag@yahoo.com •