الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
11:12 ص بتوقيت الدوحة

في مجلس سيف الدولة (2)

د. موسى آل هجاد الزهراني
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم!!
من هنا كانت بداية العتاب بين أبي الطيب وسيف الدولة، لما رأى من صده عنه وتصديقه أعداء أبي الطيب الحاقدين. هذا البيت الذي أصبح مثلا هو من أجمل وأروع أبيات العتاب التي جاد بها أبوالطيب علينا.
يا أبا الطيب! هل تعيرني بيتك هذا؟ فإني أحوج ما أكون إليه هذه الأيام؟! ماذا يفعل الإنسان إذا كان خصمه وحكمه هو من كان يضع قلبه بين يديه يتصرف به كما يشاء؟!
لم يستطع أبوالطيب الصبر حتى وجه نصيحة إلى ملك حلب، يا سيف الدولة.. إني أعيذك وأعيذ نظرات عينيك الصادقات أن تنخدع في هؤلاء الحاسدين الحاقدين، فما شحمهم إلا ورم! وإذا تساوت في عيني الإنسان الأنوار والظلمات فما جدوى عينيه إذن؟!
أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم!
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟!
يلتفت هنا أبوالطيب بعيني صقر إلى من في مجلس سيف الدولة، فيراهم أغرارا لا قيمة لهم، إن هم إلا متزلفون يصعدون على ظهور الآخرين، ويطعنون في الظهر، جبناء ليس لديهم من الشجاعة ما يجعلهم يواجهون وجها لوجه، كعادة الجبناء المتلونين تلون الحرباء، فنظر إليهم شزرا ثم أشار بأصبعه مخاطبا سيف الدولة في هيبة وعزة:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم!
لي الحق في الفخر، ألست الذي جعلت الأعمى مرغما يقرأ أدبي بعينيه؟ ويسمع الأصم كلمات قصائدي الرنانة؟!:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم!
فخيم الصمت على المجلس..
ضحك أبوالطيب ضحكة سخرية، وصدح أيضا بأن عليه قول الشعر الذي يذهل العقول ويختصم حوله الناس، فيسهرون يناقشون أقواله ويؤولونها كيفما يرون، وإن لم يصيبوا الصواب، أما هو.. أما أبوالطيب فينام ملأ جفنيه قرير العين، ويدعهم في حيرتهم:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرّاها ويختصم!
أما الجاهل المتمادي في جهله، لأنه غبي لا يفهم، غره ضحكي حتى أتته يدي حاملة سيفي فجندلته، وافترسته بفمي، فهجوته هجاء لا تقوم له بعده قائمة!:
وجاهل مده في جهله ضحكي
حتى أتته يد فرّاسة وفم!
كان هذا الأحمق الجاهل يظن أن الأسد إذا فتح فمه أنه يبتسم، ولا يعلم طبيعة الأسود المفترسة! يا أحمق! إن الليث لا يمزح:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم!
ويبلغ به الفخر كل مبلغ، وكأني أرى التاريخ ممسكا في يده القلم ليكتب أعظم بيت في الفخر قاله شاعر:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم!
ويأبى العتاب إلا أن يعود، لكنه هذه المرة عتاب حزين، جد حزين:
يا من يعز علينا أن نفارقهم
وجدانُنا كلَّ شيء بعدكم عدم!
يا من فراقكم أعظم مصيبة على القلب، كل شيء بعدكم لا طعم له.
إلى اللقاء..

اقرأ ايضا

دموع بغدادية!

09 مارس 2016

مشاعر الشعراء

21 ديسمبر 2016

رجولة عظيمة

18 نوفمبر 2015

بكاؤهم!

12 أبريل 2017