الطريق إلى جهنم!! (1-2)
14 مايو 2015 , 02:24ص
فجأة وبدون سابق إنذار، وتحت سمع وبصر الدولة المصرية، أعلن ما سمي اتحاد قبائل شمال سيناء، عن توجه جديد، يساهم في مواجهة الإرهاب والتطرف في المنطقة، في محاولة لاستنساخ تجارب سابقة فاشلة، ومن ذلك النموذج العراقي في إنشاء الصحوات، أو تكوين ميلشيات الحشد الشعبي، ومنها ما تم في أفغانستان وباكستان، وحتى السودان، والأمر جد خطير، وينبئ بكوارث أمنية وسياسية مستقبلية.
ويحتاج الأمر في البداية، إلى رصد جغرافية المنطقة، من حيث السكان والقبائل التي تعيش فيها، ولن نفرق هنا بين شمال سيناء وجنوبها، وهما معا عانيا من الإرهاب في فترات مختلفة، حيث يصل عدد السكان إلى حوالي 600 ألف نسمة، وإن كانت الغالبية في الشمال، بأكثر من 400 ألف، يعيشون جميعاً في الشمال والجنوب، على مساحة 61 ألف كيلو متر مربع، وتتكون شرائح السكان من أبناء القبائل، ثم نسبة من أبناء الحضر، وشريحة أقل من فلسطينيين هاجروا للمنطقة منذ نكسة 1948، وعدد محدود من الوافدين العاملين في المناطق السياحية في الجنوب أو موظفي الأجهزة الإدارية، ولعل التوجه القبلي الأخير المدعوم حكومياً، خاصة بعد أن حضر اللقاء الذي عقدته القبائل منذ أيام، كل من محافظ السويس وقائد الجيش الثاني، ينطبق عليه المثل الشهير «الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة»، وعلينا أن نتفق أيضاً إلى، أن تلك المنطقة تعيش أزمة معقدة ومحتدمة، لا تتعلق بالنظام الحالي في مصر، ولكنها سابقة عليه، وموجودة بأشكال مختلفة منذ سنوات حكم مبارك، مرورا بأيام المجلس العسكري وحكم الدكتور محمد مرسي، وإن زادت معدلاتها خلال عهد الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور، والرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. وتتخذ تلك الأزمة بعدين، الأول تنامي ظاهرة الإرهاب، والثانية معاناة أهل سيناء من التهميش، وغياب خدمات الدولة المصرية عنها. بالإضافة إلى مشاكل مستحدثة.
وإذا توقفنا عند الأزمة الأولى، والخاصة بالإرهاب في سيناء، فهناك محاولات مبذولة في إنهاء وجود تلك الجماعات، خاصة بعد أن غيرت ولاءاتها، من تنظيم القاعدة، وبايعت داعش وأعلنت سيناء ولاية إسلامية، وقد قامت الحكومة بتنفيذ عدد من الخطوات، وتنوعت الإجراءات، ومنها مرحلة التمشيط الأمني والحملات العسكرية، والتي بدأت منتصف عام 2013، ثم محاولات خلق منطقة عازلة، تمتد من الحدود مع غزة إلى عدة كيلومترات في عمق سيناء، مع الإخلاء القسري لأكثر من 1165 أسرة، وتدمير مئات المنازل، ومع ذلك استمرت العمليات الإرهابية، ومنها استهداف التنظيم لمعسكر الكتبة 101، كما استخدم التنظيم أسلحة متطورة، والأرقام لا تكذب ولا تتجمل فقد أشارت إحصائية قدمها مجموعة من منظمات المجتمع المدني التي ترصد عمليات الإرهاب في مصر، خلال فترة أسبوع واحد، من 24 أبريل إلى 30 من نفس الشهر، إلى أنها وصلت إلى 88 عملية وتفجيرا، بانخفاض عن التقرير السابق بنسبة %11، ولكن اللافت هو النصيب الأكبر من العمليات، كان في شمال سيناء، رغم تجديد فرض حالة الطوارئ للمرة الثانية في المنطقة، ونالت 34 عملية بنسبة %39، مع ثبات نسبي في معدلات استهداف قوات الجيش والشرطة، ومنشآتهما على مدار الأسبوعين الماضيين، قبل التقرير الأخير، وتركز معظمهما في سيناء.
ويبدو أن مهمة القوات المسلحة المصرية في سيناء، لا تبدو سهلة أو يسيرة، كما تم تصويرها من قبل، فنحن نتحدث عن عمليات مستمرة منذ سنوات، دون تحقيق الهدف الكامل لها، رغم أن الجيش المصري قدم منذ أيام، وعلى لسان المتحدث العسكري له، ما يمكن أن نطلق عليه «كشف حساب» عن عملياته خلال ستة أشهر، منذ أكتوبر حتى نهاية أبريل الماضي. حيث تم قتل وتصفية 725 إرهابيا، وإلقاء القبض على 1873، وتدمير 591 عربة للإرهابيين، وعدد 1447 من الدراجات النارية، وكذلك 1823 مقرا لهم، والاستيلاء على أسلحة ومتفجرات وذخائر، ومنها صواريخ مضادة للطائرات، وقذائف هاون وقنابل.
وإذا كان الإرهاب ومكافحته، هو هم ومسؤولية الدولة، فإن المشكلة الأخرى والخاصة بالتهميش، هي التي يعاني منها سكان سيناء، تبدو مزدوجة، منها ما يتعلق بتوابع العمليات الإرهابية، والجزء الأهم، الخاص بتنمية سيناء ذاتها، وهو الملف الذي يعاني من إهمال، طوال كل تلك السنوات، منذ تحريرها في العام 1982 وحتى الآن، مع تعدد الحكومات واختلاف الأنظمة، ولكن ظل الحال على ما هو عليه، بعد أن تم اختصار سيناء في الجنوب، وتقليص الجنوب في مدينة شرم الشيخ، وسيناء أوسع وأكبر وأهم من ذلك بكثير، فهي قضية أمن قومي لمصر، ونتوقف عند مشاكل الأولى الناتجة عن الأزمة الأخيرة، بعد أن وصل الأمر إلى أن يكون ذلك، حديث الكل، ومنهم شيوخ قبائل، عن «مصالحة مجتمعية بين الدولة والمجتمع السيناوي» - كما قال الشيخ عبدالقادر مبارك شيخ عشيرة الجرارات من قبيلة السواركة، ومنهم أيضاً موسى الدلح أحد رموز قبيلة الترابين، في تصريحات صحافية أخيرة -ـوأولى خطواتها إعادة النظر في ملف المعتقلين من أبناء سيناء، بشكل جدي، خاصة أنه وفقا لما يقوله زعماء القبائل، الأغلبية منهم تم اعتقالهم بالوشاية، ودون أن يرتكبوا أي جرم، مع رعاية الدولة لأسر الشهداء من المدنيين، الذين سقطوا نتيجة تجاوزات أمنية، أو على أيدي رجال الأمن، ناهيك عن مطالب منها توفير سكن مناسب يليق بهم، وصرف معاشات شهرية، وتوفير وظائف لأبنائهم، وإيجاد حل عاجل لرعاية الأسر النازحة، من منطقة العمليات في رفح والشيخ زويد إلى مناطق أخرى.
ويعتقد كثير من أبناء المنطقة، أن غياب التنمية عن سيناء، هو أحد أبرز المشاكل المطروحة، رغم أن أنظمة سابقة، أعلنت عن تخصيص مليارات الجنيهات، لخطة مدروسة لتعمير سيناء، ومنها ما حدث في زمن الدكتور محمد مرسي والتي انتهت بأحداث 30 يونيه 2013، وقد كشف الدكتور نعيم جبر منسق العام للمجلس القومي للقبائل، في تصريحات صحافية أخيرة له، إلى أن المجلس قدم مشروعات شراكة مع الجهات المختصة، والقوات المسلحة، لتنمية سيناء، ومقترحات مدروسة بثلاث مشروعات كبيرة، مع بيوت خبرة عالمية، لصناعة الزجاج والرخام، وتغليف المواد الغذائية والعصائر، وبالفعل تقدمت القبائل باعتمادات مالية بمئات الجنيهات، كخطوة أولى، وما زالوا في انتظار تخصيص الأرض، وتقديم الجهة الأخرى، لآلات العمل والمعدات، كما يطالب أهالي سيناء بتخصيص 30 ألف فدان بجانب القناة، لإقامة مشروع زراعي صناعي، ومع ذلك لم تتحرك الأجهزة المعنية للدولة، رغم إيفاد متدربين إلى الصين، لنقل الخبرات إلى شباب سيناء، باعتباره المستهدف من عمليات تنمية المنطقة.
ورغم ذلك الوضوح، وتلك المعرفة الدقيقة لحجم مشاكل سيناء، وما تعانيها، ولكن الأزمة في السير في الاتجاه المعاكس، الذي يحاول أن يعالج «العرض «دون اهتمام «باستئصال المرض» نفسه، ومن ذلك اللجوء إلى استنساخ أفكار بالية، لم يثبت نجاحها، وهي المتعلقة بمشاركة القبائل في سيناء في مواجهة الإرهاب، في تخل واضح للدولة عن دورها، ووصفة لفتح أبواب جهنم، واستحضار «لعفريت» لا يمكن صرفه أو التعامل معه». إذا نجح في المهمة، وفشل فيها.
في المقال القادم، مناقشة لفكرة تشكيل صحوات من قبائل سيناء لمواجهة الإرهاب.
usama.agag@yahoo.com •