هل آن أوان التغيير؟
14 مارس 2015 , 02:17ص
أربع عواصم مسؤولة عن «ضبط الإيقاع» في المنطقة العربية في المرحلة القادمة، والتي تتزايد فيها التحديات، وتكثر فيها المخاطر، هذه العواصم هي الرياض، أنقرة، القاهرة، الدوحة. ويمكن بسهولة رصد وجود العديد من المؤشرات، على أن هناك رغبة، كلا لأسبابه في القيام بهذا الدور، وإزالة أي عقبات تواجه تلك المهمة، ومن ذلك الزيارات المتبادلة بينهم، فقد كان من الملاحظ أن هناك مرحلة جديدة، في العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الرياض والدوحة، وكان من الملاحظ أن أول زيارة خارجية لولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف، كانت للدوحة، وأعقبها زيارة سمو أمير دوله قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الرياض ولقاؤه مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يضاف إلى ذلك عودة الدفء من جديد إلى العلاقات بين الرياض وأنقرة، من خلال الحفاوة السعودية بوجود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من بين قادة العالم، الذين شاركوا في جنازة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والنتائج المهمة للزيارة الرسمية له إلى الرياض، حيث كان من أوائل قادة العالم، الذين استضافتهم المملكة، يضاف إلى ذلك الزيارة المفاجئة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للرياض، ولم تكن ضمن زياراته المعلنة كما جرت العادة.
وعلينا أن نشير إلى حقائق مهمة، تؤكد إلى أن هناك جديدا على أكثر من صعيد، يستدعي مثل هذا التغيير، أولا وجود قيادة جديدة في المملكة العربية السعودية، في ظل الملك سلمان بن عبدالعزيز، صحيح أن هناك ثوابت تحكم السياسية السعودية على المستوى الداخلي والخارجي، ولكن هذا لا يمنع أن هناك إعادة نظر في أولويات الرياض، والتي ظهرت بشكل واضح في إعادة ترتيب البيت السعودي، والدفع بدماء شابة في دوائر صنع القرار، وهي المهمة الأسرع التي تم إنجازها. يضاف إليها إعادة الاعتبار للعلاقات الاستراتيجية بين المملكة وواشنطن، بعد مرحلة من التوتر المكتوم بين البلدين، والخلاف حول عدد من الملفات، منها موقف الإدارة الأمريكية الرمادي، من الوضع في مصر، وأزمة البحرين، والمتخاذل من الأزمة السورية، والاندفاعة الأمريكية باتجاه إيران، وقد نجحت زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وبصحبته وفد ضخم وكبير يضم كثيرا من المعنيين بالعلاقات مع السعودية، سواء في الإدارات السابقة، أو من أعضاء الكونجرس، في تحقيق ذلك. كما أن الفترة الماضية، شهدت حالة من الضبابية في الموقف المصري، تجاه كل من قطر وتركيا، مع استمرار مسألة القذف الإعلامي بين الطرفين، الحملات ما زالت مستمرة، من وسائل إعلامية محسوبة على النظام المصري، والجزيرة وعدد من القنوات التي تبث من تركيا، مع الوضع في الاعتبار، أن هناك تغييبا لحقيقة أن الجزيرة، لم تكن -الآن ولا من قبل- إحدى أذرع السياسية الخارجية لقطر، وأنها لا تمثل سوى الجزيرة، وعلى الجميع أن يقبلها كما يقبل الإذاعة البريطانية، أو سي أن أن . وقد طورت مصر الرسمية موقفها إلى الأسوأ، بالتصريح الغريب، على لسان السفير طارق عادل مندوب مصر في الجامعة العربية، حول اعتبار قطر دولة داعمة للإرهاب، مما استدعى الدوحة لسحب سفيرها في القاهرة للتشاور، على الرغم من التصريحات الإيجابية التي ظهرت على لسان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أثناء زيارته لواشنطن. وأيضا رجب طيب أردوغان بعد زيارته للسعودية، وتصريحات السيسي قبل زيارته للسعودية وحديثه حول الاعتذار لقطر، يضاف إلى ذلك حالة عدم الاستقرار في العلاقات المصرية السعودية، وتوقعات واسعة بنهاية مرحلة الاندفاعة، التي ميزت عهد ما بعد 3 يوليو 2013، والدعم السعودي غير المسبوق من الملك عبدالله لمصر، في ذلك التوقيت. أما الآن فهناك تباين في المواقف تجاه العديد من الملفات، حول سوريا ، ومصر تساعد في تعويم بشار الأسد ونظامه، واليمن فالموقف المصري ليس بالوضوح الكافي المطلوب سعوديا، وكذلك إيران وإحساس مصر بخطر التمدد الإيراني مختلف عن شعور دول الخليج خاصة السعودية.
ونتوقف عند أسباب التغيير ومبرراته، والتي تختلف من دولة إلى أخرى، لعل السبب الأهم في ذلك يعود إلي إدراك السعودية ومعها الدول الثلاث، بانفراط عقد الوسط السني الذي يعاني من أزمتين: الأولى مخاطر تنظيم داعش بعد استيلائه على أجزاء من أراضي العراق وسوريا، ووجود تنظيمات قدمت البيعة إلى أبوبكر البغدادي، وأعلنت وولاءها إلى التنظيم، في دول عديدة مثل ليبيا واليمن، يضاف إلى ذلك التطور النوعي في مفهوم عمله، مقارنة بتنظيم القاعدة، والذي انتقل من مرحلة استهداف المصالح الغربية، وزعزعة بعض الأنظمة العربية، كما كان عليه تنظيم القاعدة، إلى إقامة دولة الخلافة. أما الأزمة الثانية، فهي لا تقل خطورة، وتتعلق ببعد طائفي، فهناك شعور بأن إيران مرشحة لأدوار إقليمية، على حساب الدول المحورية في الوسط السني، بعد إتمام الاتفاق مع الغرب، حول الملف النووي، يضاف إلى رصيد النجاحات، التي حققتها إيران في السنوات الأخيرة، ومن ذلك تحكمها في مفاصل الدولة العراقية، رغم توقعات بأن عهد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، قد تكون مختلفة عن عهد نوري المالكي، وهو ما لم يتم. كما أن طهران تدرك أنها في سوريا لا تدافع عن بقاء نظام الأسد، ولكن على التحالف الاستراتيجي مع سوريا، وانتهاء نفوذها على دمشق، ولذلك فهي تلقي بكل ثقلها المادي والعسكري في دعم النظام، ناهيك عن استخدامها لحزب الله اللبناني في التأثير على الوضع اللبناني، الذي يعاني من فراغ رئاسي وبرلماني، وآخر المحطات الإيرانية هي العاصمة صنعاء، حيث نجحت جماعة أنصار الله المدعومة إيرانيا، في بسط سيطرتها على العاصمة، وعدد من المحافظات، مما يهدد الأمن القومي لدول الخليج والمنطقة.
في ضوء تلك التحركات التي تشهدها المنطقة، تبدو القضية المطروحة الآن، وبكثافة هي ضبط الإيقاع في الوسط السني، ومحاولة جس النبض باتجاه إتمام مصالحات حقيقية، بين العديد من دول الإقليم، خاصة بين مصر من جهة وكل من تركيا وقطر، والأمر منوط بالدور الذي يمكن أن تلعبه الرياض في هذا الإطار، وهو لا يدخل في إطار التمني والأحلام، ولكنها يحكمه الضروريات، هو أمر صعب ولكنه ليس مستحيلا، ويتطلب أكبر قدر من حسن النوايا لدى كافة الأطراف، وقف نغمة الإعلام المصري، الذي لا يكل ولا يمل من تكرار الحديث عن مؤامرة، تستهدف مصر بدعم قطري تركي، دون أي أدلة أو وثائق أو براهين حول ذلك، ولكن اتهامات باطلة، يضاف إلى ذلك إعادة مصر، النظر في مسألة شيطنة الإخوان المسلمين» ، والتي أثرت بالسلب على علاقاتها الخارجية، خاصة وأن مصر تحاول القفز على حقيقة، أنه على الرغم من أنهم تنظيم دولي، ولكن هناك خصوصية في عمل كل مجموعة، وفقا لظروف الدول المختلفة. فقد يكون الصراع مع الجماعة مفهوما في مصر، للعداء التاريخي مع رموز المؤسسة العسكرية، ولكن إخوان الخليج مختلفون عن حالهم في الأردن، عن وضعهم في دول المغرب، فهم في نهاية الأمر مكون سياسي ضمن مكونات أخرى عديدة، ومن الخطورة تعميم النموذج المصري في التعامل مع الجماعة على بقية دول المنطقة.
وبعد، فإن ما يحكم المسألة هو الاختيار بين «خطر محتمل»، وأقصد الإخوان المسلمين، وهناك تباين في اعتباره كذلك، وبين «خطر حقيقي» لا يختلف أحد في الشعور به.
usama.agag@yahoo.com •