


عدد المقالات 283
بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، ثم ما تلاها من تصعيد للكفاح المسلح ضد المستعمر الفرنسي، لم تعرف تونس وشعبها حربا عن قرب منذ 64 سنة بالتمام والكمال، أي منذ ما يعرف في التاريخ الحديث بـ "ثورة 18 جانفي 1952" التي استمرت حتى صائفة 1954 عندما زار رئيس الوزراء الفرنسي "منداس فرانس" تونس وعرض على قيادة الحزب الدستوري الجديد حكما ذاتيا، سكن بعده أزيز المدرعات وصراخ البنادق. ولأن قليلين جدا ممن عايشوا تلك المرحلة أسعفهم الله اليوم بالعمر، بالإضافة إلى قليلين ممن أسعفهم بالاطلاع على التفاصيل المرعبة لتلك الحقبة التاريخية، فإن أغلب التونسيين لا يأخذون الحرب المعتملة في أحشاء حلف "الناتو" على ليبيا هذه الأيام مأخذ الجد، يواصلون حياتهم اليومية القلقة أصلا من تداعيات 14 يناير-جانفي 2011، يتفاكهون ويردحون بسب وبمدح من يعترض طريقهم على بلاتوهات التلفزيون -بحسب المزاج والأبراج- ويسألون عن حقيقة انخفاض أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء, كما يضحكون كثيرا لقرار الحكومة التخفيض في سعر أكياس الشاي! فعلى مدى 64 سنة بالتمام وبالكمال لم يكن القوم يعرفون عن الحرب أكثر من صور صامتة في آخر نشرات الأخبار، تدور على بعد آلاف الكيلومترات بعيدا عن أرائكهم الوثيرة، وحتى تلك "العشرية السوداء" في الجزائر القريبة لم يلحقهم منها اشتعال عود كبريت واحد، رغم غياب النقابات الأمنية وقتها، لذلك استمرؤوا واستمروا ردهة من الزمن في الترنم جذلين "بالأمن والأمان يحيا هنا الإنسان"، قبل أن تضحى تلك الأغنية سبة في وجه مؤديتها صوفية صادق، بدون أن يفكر أحد في شتم مؤلف كلماتها! أصوات طبول الحرب تقرع الآذان في كل مكان، إلا في تونس، حيث تواصل النقابات في طباعة وإرسال الإعلام القانوني بالإضرابات، وهواة الانتحار حرقا يغيرون الأسلوب شنقا أمام مقرات المحافظات، ويمارس اللصوص هواياتهم ليلا بعد انتهاء النقاشات البيزنطية على شاشات التلفاز، وأقدم مهنة في التاريخ تتجدد كل مساء بحماس، لكن هذه المرة قد لا تسلم الجرة، ففي الأفق القريب جدا أنباء مدلهمة عن حرب ضروس يحضر لها الغرب ضد ليبيا التي تمدد فيها تنظيم "داعش" بالدرجة التي أصبح يمثل معها خطرا داهما لأوروبا ذاتها، وفي الأثناء هناك من يقول إن الحرب بدأت بغارات "طائرات مجهولة" بين الحين والحين، وهناك من يفضل التريث والاعتقاد أن الحرب ستبدأ في شهر مارس. أما الاعتقاد السائد بين أغلب التونسيين فلا يخرج عن إطارين: "اليوم خمر وغدا أمر"، أو أنها حلقة جديدة من بحث الرجل الأبيض عن كنوز النفط والغاز بقصد السيطرة عليها. صحيح أن الدراسات الموثقة بالأرقام تشير إلى أن التونسيين لا يقرؤون إلا بمعدل ثلاث دقائق فقط في السنة، لكن أرضهم الساخنة شهدت أولى الحروب النظامية في العالم بين الإمبراطورية الرومانية وقرطاج القوة الصاعدة قبل ثلاثة آلاف سنة ونيف، ربما ذلك ما يحقنهم من حيث لا يدرون بحكمة من قال إن "الذاهبين إلى الحرب يدعون أن الأخلاق هي مبرر قتالهم"، وإن "بداية أي حرب تعتمد على تقييم مفرط التفاؤل لنتائج القتال، وعلى التصورات الخاطئة لنوايا العدو"، وما إلى ذلك من استخلاصات سهلة سهولة المرور لديهم من الدولة إلى الثورة ومن ثمة إلى البحث عن الدولة مجددا، زادهم في الرحلة المضنية رصيد حكمة رومانية تقوم على "الخبز والترفيه"، وما دام هناك خبز وكرة وشاي ورقص رخيصين، فخير ما يمكن الاتكاء عليه ما ينسب لـ "لويس الرابع عشر" قوله: "من بعدي الطوفان". أوليس القوم يتوسدون جائزة "نوبل للسلام"؟ فما ضر الحرب إن قامت وإن قعدت؟!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...