الخميس 8 جمادى الآخرة / 21 يناير 2021
 / 
05:30 م بتوقيت الدوحة

اقرأ.. هنا حقيقة

د. زينب المحمود

تغيَّر الزمن، وغدا التطور مطلباً لكل من يريد التعايش مع الواقع قولاً وعملاً، وصار الوصول إليه والحصول عليه هدفاً لغالبية الناس، فهناك من يسعى ليصل أقصى درجات العلم، وهناك من يكون المنصب محوراً لمبتغاه، ومنهم من للمال أسير، وآخر يريد الحياة ويسعى إليها، فيسافر ويستجمّ، وتراه رافعاً شعاره: «سأعيش الحياة بكل تفاصيلها»، والبعض متشتت بين أهدافه؛ فلا هذا في متناول يده ولا ذاك، وللأسف، هناك فريق يتتبع أخبار غيره، ويعيش في قلق نجاحهم وتميُّزهم، ويتمنى لو كان مكانهم، وهيهات لمن يتحسر على ما فات من عمره من دون أن يستثمره خير استثمار.
بين كل الفرق والأنماط البشرية، سأدير عدستي نحو فئة تتعلّم وتتدرب وتشارك وتتطور، بالغة حد التميز والألق، إلى درجة ترتقي فيها لتنال أوسمة الخبرة والدربة والدّراية، فتصبح محلقة ومرتفعة، لا تستطيع وضع رجلها على الأرض، فهي لا تنظر إلى غيرها إلا بنظرة دونية، ومن منطلق جهلهم وقلة خبرتهم ودرايتهم، فيا للعجب من مجالسهم التي يشعر الواحد فيها باختناق، ونقص في الأكسجين! والأدهى والأمر، أن هذا الشخص صاحب العلم والمعرفة، وصاحب الخبرة والتجربة، لا يستطيع التوقف عن الكلام، بل تراه يواصل حديثه ويسترسل في سرد معلومات متنوعة، محاولاً إظهار فلسفته وإلمامه بمجريات الحياة كافة، وكأنه يزعم: «أن ما حدث وما سيحدث في الكون لأسباب لا يعلمها إلا هو»، كل هذا وهو يتحدث بنبرة حادة وبصوت يملؤه العُجُب، بل يتجاوز ذلك ليشعر بأهمية نفسه وما يقوله من دون أن يدري بأنه مزعج حدَّ النخاع وغير مقبول، وأن سرده وطرحه، وقوله وشرحه للمعلومات، وإبراز ثقافته، أمور لا تضيف شيئاً ولا جدوى منها، فليس المهم أن تُظهر ما تعلم، بل المهم أن تكسب بعلمك كل منفعة، وتعمل به، وتجعله واقعاً يذكرك ويهتف باسمك. 
وتأكد أن شهاداتك ومنصبك وعلو مكانتك، لن تدوم معك، وأن أيام عمرك ستنتهي، وسيتوقف نبض قلبك، وسوف تفارق هذه الحياة بكل ما فيها، ولن تأخذ معك شيئاً سوى العمل الصالح، وستنالُ بأثرك الطيب العامر، وأخلاقك الحسنة، وتعاملك مع الناس، حُسْنَ السيرةِ ودوامَ الذكر بالخير، والدعاء لك، والصدقة عنك إن غاب طيفك، أو طواك الدهر. 
فالكبر بطرُ الحقِّ والامتناع عن قبوله إذا خالف هواه، ومن هنا قال بعض السلف: «التواضع أن تقبل الحقَّ من كل من جاء به، وإن كان صغيراً»، فمن قَبِل الحقَّ ممن جاء به، سواء كان صغيراً أو كبيراً.. أحبه أو لم يحببه، فهو متواضع عظيم النفس، ومن أبى قبول الحق تعاظماً عليه، فهو متكبر خاسر. فاختر لنفسك مكاناً تعظم فيه، واجنب نفسك مآلاً تندم فيه وتخسر.

اقرأ ايضا

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018

فضيلة

03 سبتمبر 2017

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

«جامع الكلم»

26 مايو 2019