


عدد المقالات 369
قد يظنُّ ظانٌّ أنَّ الغني هو كثير المال والعقار، أو من يمتلك ذهبًا وفضةً ولؤلؤًا. لكن الحقيقة غير ذلك، فإلى أي معنى ينتمي الغنى؟ ومَنْ الغني في عُرف الله وعُرف اللغة والعرب؟ ورد اسم «الغني» في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } (البقرة: 267) . وقوله: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت: 6). وكذلك قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر: 15). إنّ الغني في لغة العرب: «الذي ليس في حاجة إلى غيره، وهو المستغني عن كلِ ما سواه، الكامل بما له وما عنده، فلا يحتاج معه إلى غيره».
انطلاقًا من هذا المعنى، فإنّ الله تعالى الغني، غنيٌ عن العالمين، هو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق في الوجوه جميعًا، فلا يتطرَّق إلى غناه نقصٌ ولا قِلةٌ طرفة عين، لأنه سبحانه بيده خزائن السماوات والأرض، وله ملك كل شيء، ومفاتيح كل شيء، ومقاليد كل شيء، فلا يحتاج إلى أحد، وكل أحد محتاج إليه، قال وقوله الحقّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ● وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15). فمِن كمال غِناه سبحانه، أنه يأمر عباده بدعائه وسؤاله، ويعدهم بالإجابة، وهو غني عنهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ● إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60). ومن كمال غِناه، أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًا من الذل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ● وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (الإسراء: 111).
كذلك، لم يجعل الله تعالى الغني اسمه من فراغ، ومن دون دلالة، فهو يقودنا إلى تساؤل وجودي، لم يتركه ربنا بلا جواب، بل نزل بيانه في محكم الآيات وفي فصل الخطاب، فالغنى هو نقيض الحاجة، ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال في الغنى:
بَلَوْتُ لَعَمْـرِي النَّاسَ لَمْ أَرَ بَيْنَهُمْ
سِوَى مَن غَـدَا وَالبُخْلُ مِلْءُ إِهَابِهِ
فَلاَ ذَا يَـرَانِي قَاعِـدَا في طَرِيقِـهْ
وَلاَ ذَا يَـرَاني وَاقِفَا عِندَ بَابِهِ
غَنيٌّ بِلاَ مَالٍ عَـنِ النَّاسِ كُلِّهِـمْ
وَلَيْسَ الغِـنى إِلّا عَـنِ الشَّيْءِ لاَ بِهِ
لقد تأمل الشافعي الناس وأَجال فيهم العين البصيرة، وعجمهم بالتجربة المصقولة الخبيرة، فرأى أنهم أسرى الشُّح والبخل، يُكثرون الكسب ويقلون البذل، وأنه استغنى عنهم، فلا يستميحهم العطاء، ولا يرجوهم السخاء، فهو غني بلا مال اكتسبه، ولا كنز اكتنزه، وأصل الغنى أن يكون استغناء عن الأشياء، لا استكثارًا منها واستثمارًا فيها.
إنّ الله عزّ وجلّ يوجهنا إلى فكرة مفادها أنّ الإنسان غني إن استغنى بالله عن الناس، وقصد الله في حاجته، لا الناس، وأدرك أن كلّ ما في أيدي الناس إنما هو متاع زائل، وأن الله بيده الغنى وبيده العطاء، وهو من يعطي بقدر، ويمنع بقدر، فمن استغنى بالله فهو الغني، وكل ما سوى ذلك وَهْمٌ وسراب وفقر، لأن الدنيا وما عليها سائرة إلى زوال، ولن يبقى إلا الله الغني سبحانه.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...
كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...
لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...
لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...
بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...
أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...
منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...
أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...
لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...