


عدد المقالات 283
ألف رحمة عليهم.. وجميل الصبر والسلوان لذويهم بين الموت جوعا وبين الموت غرقا، يراوح آلاف من شباب تونس الحالمين بحياة مثل التي يشاهدونها على تلفاز ما بعد الأطباق اللاقطة، فإذا كان الإنسان لا يحيا بالخبز وحده فإنه لن يحيا أصلا من دون خبز. هكذا، بين أضغاث أحلام وواقع متيبس وأمواج بلا قلب قضى عشرات الشباب التونسيون غرقا هذا الأسبوع قرب جزيرة «لامبادوزا» الإيطالية طمعا في الهروب من «الجحيم»، وتوقا لولوج «الجنة» كما تصورها لهم أحلامهم البسيطة. وفي الوقت الذي انصرفت فيه العائلات المكلومة إلى تقبل العزاء بلا سلوى، اعتملت في المتسيسين نوازع توظيف الحادث المأساوي، كل وفق مشربه، فتلبَّس جميعَهم –أو يكادون- حداد مزيف! هي السياسة في كثير من الأحيان مرتع للكواسر التي تقتات من الجثث الهامدة، وهي السياسة في قليل من الأحيان ملتقى للفرقاء يتباحثون فيه العلة، فلا يفيقون إلا عند إيجاد الدواء الشافي! وأكاد أجزم أن من أسقط نظام الرئيس السابق بن علي هو فشله في إيجاد فسحة أمل ومخرج ملائم لـ300 ألف معطل عن العمل (آنذاك)، كثير منهم يحملون مؤهلات عالية، لكن صدق عليهم القول الدارج في تونس: «تقرا والا وا تقراش.. المستقبل ما فماش»! المفارقة هنا أن نظام بن علي كما قبله بورقيبة – بأقل حدة– وسلطة اليوم واجهوا بأقصى جهودهم مشكلتي البطالة والفقر في بلد لا يكاد يتوافر على شيء من هبات الطبيعة سوى الشمس والبحر، فأوجد بورقيبة لنفسه مخرجا «نفسيا» بأن أشاع في القوم أنهم «شعب غني بمكنوناته البشرية»، وعمل بالفعل على تكريس نظريته لكي لا تظل فقط حذلقة لغوية أو شعارا أجوف، مُصدرا أحد أعظم قراراته الثورية بمجانية التعليم وإجباريته. ومن بورقيبة إلى اليوم مرت من تحت الجسر مياه كثيرة، تغيرَ العالم، وتدافعت الصفوف التعليمية نحو سوق تشغيلية بدأت تضيق بطلابها شيئا فشيئا في غفلة من السابقين، وبتوان من اللاحقين سلطة ومعارضة! اليوم وبحسب آخر الأرقام الرسمية تكتظ تونس بزهاء الـ600 ألف عاطل عن العمل، ورغم أن ذات الأرقام التي تكافح ضد التكذيب تقول: إن نسبة البطالة نزلت إلى %18، وإن الحكومة الحالية وفرت قرابة الـ60 ألف موطن شغل في ظروف بالغة الصعوبة، فإن المعضلة رقم 1 في البلاد ما زالت البطالة واليأس من مستقبل منظور يجعل المغامرة في البحر أهون من تصديق الوعود التي قد تأتي وقد لا تأتي. والنتيجة أن يموت الشباب في البحر الأبيض المتوسط، فترقص على جثثهم السياسة متباكية وعاجزة! صحيح، إن المأساة ليست وليدة الساعة، لكن من الصعب نفي اشتدادها خلال الفترة القليلة الماضية، وذلك يكفي ليكون مادة خصبة لمهاجمة الحكومة واتهامها بالفشل الذريع، قد يكون ذلك حقا يراد به باطلا، أو حقا فحسب، لكن ماذا فعل الجميع لمنع تكرار المأساة عدا التباكي والتوظيف في هذا الاتجاه وذاك، أو لا يستحق الأمر الجلل لقاء وطنيا تجيش له كل الإمكانات والعلاقات، على قاعدة توافقية تجمع الخصوم في موكب الحزن. اعتقد -ولست بآثم ولا براجم– أن مشروع إعادة الأمل للنفوس اليائسة في تونس، ومنع الموت في قوارب الصيد البسيطة؛ أعظم من قياس التنانير واللحى بالسنتيمتر، وأجل من معارك دونكيشوت ضد طواحين الريح الشرقية حينا والغربية حينا! أما الاستغراق في نقاش جنس الملائكة ذكور هم أم إناث؟ ومخاتلة الواحد للثاني، فلن تنتج إلا مزيدا من القرابين في البحر لمن لا بر لهم!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...