alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 365

من فِقه النّصر

13 يوليو 2025 , 11:46م

إنَّ خيرَ بداية نتفقّه فيها بالنصر، أن نتذكّر أن الناصر اسم من أسماء الله، وهو اسم كريم متاخم وملازم لاسم الغالب، والنصرة من الله هي تعدية الغَلبة لفريق، فيقهر فريقًا آخر ويغلبه، وهي العون والمدد، وقد ورد اسم الله الناصر بصيغة التفضيل في موضع واحد من كتاب الله، في قوله تعالى: «بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِريْنَ»، وصيغة التفضيل هذه، تقتضي أن يكون هناك ناصرون من دون الله، وهو وارد غير ممتنع؛ فهناك من البشر من ينصرون أشياعهم وأتباعهم، وقال تعالى في بعض فئات المؤمنين الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يتركوا مواطنهم، ولم يدخلوا في زمرة المهاجرين: }وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ في الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيْثَاقٌ{، أي أنَّ النصر فِعلٌ يشترك فيه الخالق والخلق، ولكن للهِ مثله الأعلى، وللعباد مثله الأدنى، ونصر المسلمين لهم يكون بأن يرفدوهم مددًا ويكثروهم عددًا.وقد وردت كلمة «ناصر» أكثر من مورد في كتاب الله، ولكن بمعاني دونية ليست بحق الجَناب الأعلى، والمقام الأرقى، وقد قال تعالى في ثلاث آيات متعاقبات من سورة الطارق: } إِنّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٌ{. أي أن الله قادر على بعث الإنسان من الموات، وإعادته إلى الحياة، وذلك في دار القرار، حيث تُعرض الأسرار، على الواحد القهار، فليس ثمة تناصر ولا أنصار، بل تدابر وإِدبار. ومن مرادفات الناصر القرآنية «النصير»، والأخير مبالغة من الأول، وله أربعة مواضع قرآنية منها قوله تعالى: } وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيْرًا {، وعليه نصَّ حديث نبوي شريف رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، جاء فيه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا قال: «اللهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيْرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ». وقد فقّهنا الله بفقه النصر حينما أعطانا الدروس النافعة، والمواعظ الناجعة بخيرة خلقه المصطفى الأمين، وخيرة صحبه من الأنصار والمهاجرين، في خير القرون منذ آدم إلى يوم يبعثون، ولقننا سبحانه وتعالى دروسًا لمن كانت له أذن واعية، ونبهنا إلى أنّ سلعة النصر غالية، وأن أدنى خلل يؤخره، وأن صغائر المعاصي تعثره، فالله جل وعلا يوم أحد وبعد أن دارت الدائرة على الكافرين، وولوا مدبرين، واستشعر المؤمنون حينها نشوة النصر، حدث الخلل، وفارق الرماة مواقعهم على الجبل، يبغون التقاط الغنائم، فتسببوا بعودة الكرة والهزيمة. وكذلك الحال يوم حنين؛ فبعد أن خرج المسلمون في جيش جرار، من المهاجرين والأنصار ومن قبائل العرب الذين دخلوا في الإسلام، خرجت كلمة من أحد أفراد الجيش لا يلقي لها بالًا، فعادت على المسلمين وبالًا ونكالًا، مفادها: «لن نغلب اليوم من قلة»، أي أن حشودهم وعديدهم كفيلة بالنصر، وما أن التقى الجمعان حتى انفرط هذا الحشد الخِضَمّ، والجيش العرمرم، وبقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ثلة معدودة في رأس الطليعة، وفي حامي الوطيس والوقيعة، ثم منَّ الله بعودة الكرة للمسلمين، ونزل البيان القرآني لاحقًا يشير إلى هذا المرض العقدي الذي ينافر الإيمان والتواضع للرحمن، فقال تعالى: } وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مَدْبِرينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِيْنَتَهُ عَلَى رَسُوْلِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِيْنَ وَأَنْزَلَ جُنُوْدًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِيْنَ { التوبة. وأخيرًا، ما أعظم أن نتفقّه في أسباب النصر وأشراطه وأركانه وآفاته ونواقصه ونواقضه، كي ننتصر بداية على أنفسنا وعلى الشيطان قبل أن ننتصر على أعدائنا. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com

أَميرُ الإِنسانِيَّةِ... وَداعًا

وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...

الفلَك في حضارة الإسلام

كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...

حضارة قُرطبة

لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...

أسرار الحكيم

لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...

الرياضيات حضارة وإسلاماً

بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...

التواصل سرّ الوجود

أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...

قبس من العباقرة

منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...

اسم الله الأعظم

أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...

جلال الذات الإلهية

لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...

الجغرافيا حقًّا وحقيقة

أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...

جميل يحب الجمال

إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...

الرفق بالحيوان

في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...