إنهم يدفعون الثمن...!
12 أكتوبر 2013 , 12:00ص
مسكين الشعب السوري، الذي يعيش مأساة إنسانية حقيقية، لا تخفى على أحد، مهما حاول أن يلتزم بحياد مصطنع، أو وقع في فخ مساندة نظام دموي، مستمر في عمليات القتل اليومية لأفراد الشعب السوري، الذي لم يعد أمامه، سوى انتظار الموت، على يد قوات النظام أو ميلشياته من الشبيحة، أو الدخول في دوامة الغربة والتشريد، واللجوء إلى دول الجوار، والأرقام شبه الرسمية تتحدث، عن لجوء حوالي 3 ملايين سوري، في لبنان، والأردن، وتركيا والعراق ودول أوروبا. ومنهم 300 ألف لاجئ في مصر وحدها، وهم موضوع مقالنا اليوم، فهم يتأثرون سلبا وإيجابا بتطورات الأحداث في مصر، منذ بداية الثورة السورية التي بدأت بعد أقل من شهر، من انتصار الشعب المصري في ثورة 25 يناير 2011 وقدرته على وضع نهاية نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، ونستطيع أن نحدد ثلاث مراحل، أثرت على وضع الجالية السورية في مصر.
المرحلة الأولى: منذ بداية الثورة السورية، وحتى انتخاب الرئيس محمد مرسي رئيساً مدنيا، منتخبا انتخابا حرا من الشعب المصري. وتميزت تلك المرحلة «بالضبابية الشديد» والبطء في اتخاذ القرار، أو الالتزام بمواقف حاسم من ثورة الشعب السوري، وتعددت الأسباب وراء ذلك، منها انكفاء مصر على الشأن الداخلي، واهتمام المجلس العسكري بإعادة ترتيب البيت، مع انتظار ما تسفر عنه الأمور في سوريا، هل ستلحق بثورات الربيع العربي؟ التي نجحت في تونس ومصر، وليبيا وإلى حد ما في اليمن، أم سيتمكن النظام السوري من تجاوز أزمته؟ وقد حكمت العلاقات التاريخية بين البلدين، موقف التردد، وغياب الحسم، ولكن في نهاية الأمر، لم تتأخر مصر في زمن المجلس العسكري، عن «الركب العربي» والرأي الغالب في الجامعة العربية، فأيدت كل توجهات ومواقف الأمانة العامة للجامعة، في تجميد عضوية سوريا في الجامعة، وبالطبع استقبلت مصر من أراد من السوريين القدوم إليها.
المرحلة الثانية: وهي «السنة الذهبية» للاجئين السوريين في مصر، وبدأت منذ تولي الرئيس محمد مرسي السلطة في مصر، حيث أصبحت الأمور أكثر وضوحا، وكذلك المواقف العربية والإقليمية والدولية، والوضع السوري نفسه، وكانت من أول قرارات الدكتور محمد مرسي، السماح بدخول السوريين إلى مصر، بدون تأشيرة وببطاقة الهوية، وتدفق العدد الأكبر منهم، على ضوء الترحيب الرسمي والشعبي من ناحية. ومن جهة أخرى استمرار المجازر ضد الشعب السوري، وعدم وجود «ضوء في نهاية النفق»، وغياب الإرادة السياسية لدى دول الغرب، سواء حلف الناتو أو واشنطن في التدخل العسكري. كما هو الحال في الأزمة الليبية، وأصدر الرئيس مرسي قرارا بقبول الطلاب السوريين في المدارس، ومعاملاتهم معاملة المصريين. بل إعفاؤهم من دفع الرسوم، وتنوعت مستويات السوريين وفقا لوضعهم الطبقي، منهم رجال الأعمال الذين نقلوا أموالهم ومصانعهم إلى مدن مصرية، وشارك البعض الآخر نظراءهم من المصريين، ومارس بعضهم التجارة، وفي مجال المطاعم، وإعداد ليست قليلة تحولت إلى عمالة، وشهدت تلك الفترة تلاحما بين المصريين والسوريين، كجزء من المشاعر المصرية الأصيلة، وعودة إلى دور مصر عبر الأزمنة، باعتبارها دولة مستقبلة لأي لاجئ، يتعرض لاضطهاد في بلده، أو بغياب الأمن فيها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل نشطت الدبلوماسية المصرية، ودخلت مرحلة طرح المبادرات، حيث اقترح الدكتور محمد مرسي لجنة رباعية، بمشاركة مصر والسعودية وتركيا وإيران، للبحث في آليات حل الأزمة السورية. وكانت المرة الأولى التي يتم التعامل مع إيران كمشارك في الحل، خاصة وأنها جزء من الأزمة بدعمها للنظام السوري، واستقبلت السعودية الاقتراح بفتور، ولم تشارك بفاعلية في أعمالها، وقيل في تفسير ذلك: إنها لا تثق في طهران، وتم التفكير في توسيع عضوية اللجنة، ولكن المقترح مات. وبقي لمصر شرف المحاولة، وطورت مصر موقفها من الأزمة في خطاب شهير للدكتور محمد مرسي في منتصف يونيه، قبل أسبوعين فقط من احتجازه، عندما دعا إلى تظاهرة حاشدة في استاد القاهرة، جمعت عددا من أنصاره، ومن قيادات التيار السلفي، طالب فيها بفتح أبواب الجهاد إلى سوريا، وأعلن عن قطع العلاقات مع النظام السوري، وحاول مرسي من ذلك الحشد استمالة التيار السلفي المطالب بالجهاد في سوريا، والانخراط أكثر مع الموقف الخليجي، في معارضة النظام السوري، وكذلك تنسيق المواقف مع الغرب وأميركا.
المرحلة الثالثة: وهي فترة «المأساة» التي يعيشها اللاجئون السوريون في مصر، وبدأت بعملية خلط الأوراق، وإدخال جنسيات عربية، خاصة السوريين والفلسطينيين في أتون الأزمة المحتدمة نتيجة الانقلاب العسكري، وبدأت حملة شيطنة لهم بدون سبب، أو اعتماد على حقائق أو معلومات مغلوطة ومشوهة، تحدثت عن مشاركتهم في اعتصام رابعة العدوية، وتم تسريب معلومات عن الانتماءات السياسية لهؤلاء، وأنهم من عناصر حماس أو الإخوان المسلمين في سوريا، الذين وفقا للحملة الإعلامية الشرسة وجدوا كافة التسهيلات في الدخول والإقامة خلال فترة الدكتور محمد مرسي، وزادت سوء النوايا وتقديم العناصر الموجودة من السوريين والفلسطينيين، حسب زعم هؤلاء كمرتزقة، يحصلون على مكافآت يومية نظير المشاركة في الاعتصام. ترافق ذلك مع حملات إعلامية محمومة، شاركت فيها كل الفضائيات الخاصة، ووصل مستوى من التدني والتحريض إلى درجات غير مسبوق، لدرجة أن أحد مقدمي البرامج، دعا المواطنين إلى إلقاء القبض على أي سوري في الشارع، وآخر طالب بطردهم من مصر على أساس أنه إذا أرادوا الجهاد فالأولى بذلك بلدهم سوريا، والأخطر هي بداية مرحلة الدفاع عن بشار الأسد، مع بزوغ نجم القوميين العرب واليسار، دون أي اعتبار لتطلعات الشعب السوري، وتوازى ذلك مع مواقف سياسية جديدة، من سلطة الانقلاب، تصب في نهاية الأمر في خانة دعم بشار، أو على الأقل التوقف على المشاركة في أي جهد عربي معارض للنظام السوري، وتم إعادة فتح السفارات وعاد السفير المصري إلى دمشق، وكان من الطبيعي أن تشهد الجالية السورية مرحلة «العقاب الجماعي» «ودفع الأثمان»، وتحفل التقارير الميدانية التي يصدرها منظمات دولية، مثل هيومان رايتس وأتش أو مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالقاهرة، عن شهادات مفزعة، وتؤكد أن الشارع المصري، أو جزءا منه على الأقل، تأثر بحملات شيطنة السوريين، وبدأت عمليات إساءة معاملتهم في الشوارع، وفي العمل، أو في استمرار إيجارات المنازل، وأصبحنا نسمع عن إلقاء القبض على سوريين، أثناء محاولات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. وبعد متى تعود بعض الجماهير المصرية إلى رشدها؟ وتلتزم بالدور التاريخي لبلدهم مصر، التي كانت عبر التاريخ واحة أمان لكل العرب والأفارقة.