


عدد المقالات 604
توقفنا في المقال السابق، عند قطار الربيع العربي الذي تعثر في محطته السورية، ومنع تحركه إلى محطات أخرى، وكيف أضاعت سوريا منذ أكثر من ١٥ عاما، عمليات التغيير من داخل النظام وبرعايته، وبقبول شعبي منقطع النظير، خاصة أنه توافق مع تولي قيادات شابة المسؤولية في الأردن والمغرب، سعت لأن يكون لها برنامجها وبصمتها على الحياة السياسية في دولها. وعودة من جديد إلى ما جرى في الرحلة المثيرة، والتي قام بها عدد من الإعلاميين -وكنت واحدا منهم- إلى دمشق، لنقول إن اللقاءات التي تمت مع عدد من كبار المسؤولين في الحكومة والحزب ومجلس الشعب، كشفت عن مجموعة من الأفكار والأوهام، التي تحكم الموقف السوري على الصعيد الرسمي، ومن ذلك الهروب إلى الأمام، فبدلا من الاعتراف بأخطاء سياسات اقتصادية واجتماعية، وعلى صعيد حقوق الإنسان، وغياب الشفافية والفساد، وتحكم العائلة والطائفة والحزب في كل مقدرات الشعب السوري، يصبح اللجوء إلى التبرير الأسهل، وهو أسلوب كل الديكتاتوريات في العالم، خاصة في الدول العربية، هو الترويج لنظرية المؤامرة الخارجية، وقد تكررت الفكرة في لقاءاتنا مع كل المسؤولين، أن ما يجري في سوريا ليست تطلعات شعب في الحرية والعدالة الاجتماعية، بل مؤامرة كونية، يختلف عدد الدول المشاركة فيها، من مسؤول لآخر، هناك من كان متواضعا ووقف بالرقم عند ٨٠ دولة، ومنهم من زاد ووصل به إلى مائة أو أكثر، وتفسير تلك الأرقام يعود إلى الدول التي شارك عدد من رعاياها ضمن عناصر داعش، ما يعني أن حكومات كل تلك الدول هي من دفعت رعاياها إلى الذهاب إلى سوريا، للقتال في صفوف التنظيم ضد قوات بشار الأسد. ونسي المسؤولون، أن سوريا تدفع قيمة فواتير قديمة، فهي صاحبة الفضل في ترسيخ فكرة إرسال المقاتلين الأجانب للمشاركة في عمليات في دولة أخرى، والتاريخ القريب لا يكذب ولا يتجمل، والبداية كانت بعد أشهر قليلة من الغزو الأميركي للعراق، يومها كانت إيران هي أكبر المستفيدين من سقوط نظام صدام حسين، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن مرتاحة، إلى وجود القوات الأميركية في العراق، جار طهران، ولم تقبل باستمرار النفوذ الأميركي، رغم أنها استطاعت إيصال رجالها إلى سدة الحكم، وتحكمت في مفاصل الدولة العراقية، وكان الحل الشيطاني الذي ندفع جميعا ثمنه حتى الآن، هو أن تتحول سوريا إلى معبر للمقاتلين الأجانب، القادمين من أفغانستان ودول أخرى، للجهاد ضد الشيطان الأكبر أميركا، وقامت دمشق بالدور على أكمل وجه عندما أصبحت منطقة بوكمال على الحدود مع العراق هي المعبر، تحت سمع وبصر الحكومة السورية وبتشجيع منها، وقد اشتكت واشنطن من ذلك كثيراً دون جدوى، حتى أصبح تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين هو القوة الرئيسية التي تواجه الاحتلال الأميركي، في عملية تصب في نهاية الأمر في صالح إيران، ومن تنظيم القاعدة خرج من رحمه داعش، الذي استطاع وهو التنظيم المحدود، كشف عورات الجيشين السوري والعراقي معا. لم يتوقف الأمر عند ذلك الجرم، بل تعداه إلى ارتكاب أخطاء قاتلة، ومن ذلك أن النظام روج منذ البداية أنه يواجه الإرهاب، وهي الوصفة المضمونة لكسب الغرب، أو تخفيف ضغوطه على الأقل. ولهذا سمح وهو النظام القمعي صاحب القدرات الأمنية العالية، بدخول مئات المقاتلين الأجانب، عبر حدوده المتعددة مع دول الجوار، رغم قدرته على ضبطها، لتتحول الصورة من انتفاضة شعبية، من أجل تحقيق تطلعات مشروعة، إلى إرهاب دولي وانقلب السحر على الساحر. كما يروج النظام لفكرة لم تعد تنطلي على أحد، أن سوريا تدفع ثمن وجودها ركنا أساسيا في محور المقاومة والممانعة، والذي يضم كلا من دمشق وطهران وحزب الله، وهي كذبة مفضوحة، رغم أن بشار وفقا لكل الاستراتيجيين الإسرائيليين، هو الخيار الأفضل لتل أبيب، فهو الضامن لأمنها واستقرارها، وتخشى إسرائيل من اليوم التالي لسقوطه، خاصة إذا كان البديل إسلاميا، فلم تنطلق قذيفة واحدة، باتجاه مرتفعات الجولان السورية المحتلة منذ العام ١٩٧٣، رغم تعرض مقر إقامة بشار في اللاذقية لهجمات بالطائرات، ونفس الأمر تكرر ضد معمل قيل إنه خاص بالأبحاث في مجال الأسلحة الكيماوية، وفي كل مرة كان الرد السوري تصريحا لا يتغير، بأن دمشق تحتفظ بحق الرد، في الزمان وبالأسلوب المناسب، وهو الذي لم يحدث أبدا، أما ما يخص إيران واعتبارها ضمن محور المقاومة، فهي جريمة بكل المقاييس فهي خصم من القدرات العربية، ولم تكن أبداً إضافة، بعيدا عن الشعارات الجوفاء، من عينة «الموت لأميركا»، «الموت لإسرائيل» أو الحديث الذي سمعناه من العديد من المسؤولين السوريين، من أن نظام الخميني قطع العلاقات مع إسرائيل، وأعطى مبنى السفارة لتكون مقرا للسفارة الفلسطينية، خاصة أن طهران أصبحت تتحكم في مفاصل أربع دول عربية، سوريا والعراق ولبنان واليمن، كما أننا لم نسمع عن أي موقف إيراني حقيقي معادٍ لإسرائيل. أما حزب الله، فالتاريخ القريب يشير إلى أن دوره كحزب مقاوم انتهى تماماً منذ العام ٢٠٠٦، في آخر مواجهة له مع إسرائيل، بعيدا عن الحديث عن الأثمان الضخمة التي دفعها لبنان لعمليات حزب الله، ولكنه ومنذ العام التالي وفي ٢٠٠٧، تحول إلى ميلشيا عسكرية، تستخدم القوة في فرض إرادتها على الدولة اللبنانية، وتحول إلى حزب فوق الدولة، وجزء من الصراع السياسي الذي لا يهدأ في لبنان، ولعل أخطر ما سمعناه بهذا الخصوص من وزير الثقافة السوري عصام خليل، عندما أشار إلى عدم وجود ضمانات للحزب، إذا سلم سلاح سواء في حال غزو إسرائيلي للبنان أو للدفاع عن نفسه، وقد رددت عليه بأن ذلك وصفه للفوضى، فمن الممكن أن تكون عناصره جزءا من القوات المسلحة اللبنانية، وفقا لاشتراطات معينة، والأسلم أن يسعى الجميع إلى تقوية الدولة والجيش اللبناني، ليقوم بمهمته مثلما عليه كل جيوش العالم. وفي نهاية الأمر، فإن هذا محور للشيطان، وليس للمقاومة، والكل يدرك العلاقة العضوية بين الأطراف الثلاثة، التي تدفع حزب الله للمشاركة بالآلاف من مقاتليه، إلى جانب قوات بشار، وهو أمر لم ينفه أي من المسؤولين، أو وجود خبراء ومستشارين إيرانيين يعملون في سوريا، رغم أن هناك تقارير تتحدث عن الآلاف من عناصر الحرس الثوري، ومرتزقة شيعة من دول عديدة مثل العراق وأفغانستان وغيرها، الغريب في الأمر أن مشاركتهم في العمليات سواء في الزبداني أو القلمون، أصبح مصدر فخر واعتزاز للطبقة الحاكمة في سوريا، والكل يدرك أيضاً أن سقوط الأسد سيجر من خلفه انتهاء دور حزب الله، وفشل المشروع الإيراني في المنطقة، وبهذا تحول بشار إلى خط أحمر بالنسبة لإيران، ومن خلفها حزب الله. والمثير في الأزمة السورية، فكرة البقاء على أنقاض دولة، كانت يوما موحدة وعلى بقايا شعب، ظل يفتخر بأنه فوق الطوائف والأعراق، وما أكثرها في سوريا، كما أن الطبقة الحاكمة وفي مقدمتها بشار، ترضى بل تسعى إلى تقسيم سوريا، بشرط ضمان استمرار الأسد رئيساً، حتى ولو كان على ربع مساحة البلد، وعدم ملاحقته قضائيا من قبل المحكمة الجنائية الدولية، واستمرار نفوذ الطائفة العلوية، والحديث هنا عن مدن ومناطق تركزها. والغريب ذلك الأمل الكاذب، الذي يعيش عليه السوريون، بقرب التوصل إلى حل، من خلال سيل المبادرات، والعديد من التحركات لدول فاعلة في الملف السوري، ونحن نتحدث عن دول عربية وإقليمية ودولية ، دون إدراك حقيقي بأن المأزق والعائق والعقبة والعقدة، اسمها مصير بشار، بين متمسك برحيله، وانتهاء دوره في سوريا الجديدة، ومن يقبل بفكرة لتذهب سوريا إلى الجحيم، المهم أن يبقى الأسد. أما عن أغنياء الحرب وتجار الأزمات، فحدث ولا حرج، فهؤلاء في فنادق دمشق العامرة بهم، لا تشعر معهم أنك في بلد، يواجه مأساة منذ أكثر من أربع سنوات، وملايين تشردت ما بين نازح في الداخل أو لاجئ في الخارج. usama.agag@yahoo.com •
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...