حديث الساعة: التربية والتعليم
12 يناير 2012 , 12:00ص
ظهرت متغيرات عدة في الخليج العربي نتيجة ظهور البترول، وعيشنا بمحيط «كوزموبوليتي» ببروز مفاهيم جديدة كالعولمة. التغيير بدأ شبه جذري في مجتمعاتنا، من حيث طريقة المعيشة، الانفتاح الثقافي، وأيضاً مناهج التعليم وتأثيرها على طلبة المدارس بانحيازهم عن هويتهم وهو موضوعي اليوم. مثل هذا الهجوم الحديث على التعليم بات أن يكون مختلطاً بمشاعر على استهداف استراتيجيات لم تصل إلى هدفها بعد، بل ما زالت في مراحل التطبيق ولم تصل إلى النتائج إلى الآن، فمن الصعب لوم وزير التعليم لخطة لم تكتمل بعد. فالإدارات تحتاج إلى كفاءات تساعد في الوصول لهدف الاستراتيجية في الوقت المطلوب. من المنظور الإيجابي نستطيع رؤية الاختلاف الكبير بالمناهج التعليمية في البلاد مقارنة بالسابق. أحترم وجهات النظر في صعوبة المناهج حالياً، ولكن أستميحكم عذراً فجيل «حمد مع سحر وسحر أخت حمد» كان جيلاً مهمته الحفظ والتذكر لفترة قصيرة لا تتجاوز الامتحانات، وليس الفهم والتطبيق! وحتى في الكتابة للأسف، مواضيع الإنشاء كانت مكررة (دليل على عدم قدرتنا على الإبداع الكتابي وتطويرها مع الوقت) والمنحصرة ما بين «حب الوطن»، «الأصدقاء».. إلخ، لم تعلم أساسيات الكتابة حينها. وحتى في الجانب الفني، كان الظن بأن جميع الطلبة والطالبات قادرون على الرسم والتلوين بشكل صحيح! فالدرجات كانت تقيم على أساس الرسم وليس على أساس إمكانية الطالب بالاستفادة من دروس التربية الفنية، بالأصح لم توجد دروس فنية حينها تتعلق بالتلوين الصحيح، طرق التظليل المختلفة ومن هذا القبيل. فالتوسع في النطاق التعليمي والتفرع في التخصصات وحرية الاختيار للطالب بالمجال الملائم لإمكانياته وقدراته في الفترة الحالية (بغض النظر عن قلة الكفاءة في التوجيه المهني للطلبة إلى الآن) ضروري جداً. فالدولة بتقدمها وتوسعها الاقتصادي العالمي أصبحت تتطلب مجالات مختلفة وتعليماً صحيحاً يخدم سوق العمل وهذا طبيعي، فأصبح هناك تنويع في المواد والمناهج الحديثة كأمر ضروري في مسيرة الطالب استعداداً للمنافسة في سوق العمل. فاستراتيجيات التعليم الحديثة لا تقتصر على وقت قصير للحكم عليه فيحتاج إلى وقت أطول لرؤية النتائج. النقطة الوحيدة التي لم أفهمها من هذا الهجوم ما إذا كان:
1- حزناً بالتغيير الذي يطرأ على هوية الطالب، أم 2- استهداف صفحات من كتب التعليم العلمية عندما تحتوي على كلمات «تهز مشاعركم» نحو الدين مثلاً، دون التطرق لقراءة الدرس كاملاً وإيضاح الحيادية في الموضوع، وهذا مجرد مثال واحد. أو 3- إذا الاستهداف كان مباشراً لإدارات في التعليم العالي بدل استهداف وزير وعدم احترام مكانته في الصفحات الأولى بالخطوط العريضة. التخصيص على إدارات معينة في التربية لإيجاد الخلل هو المطلوب، كل النقاط الثلاث أعتقد أنها مختلطة على بعضها في عدم فهم دور المؤسسة التعليمية.
أنا أؤمن وبشدة بأن التعليم ليس المؤثر الوحيد إن كان يغير في هوية الطالب، إذا كان هذا بالفعل الغاية وراء الهجوم. فهناك أمور عدة تأثيرها أقوى من التعليم وتؤثر بشكل يومي على الناشئين (ينطبق على الفئات الأخرى أيضاً) حتى داخل المدرسة، كالإعلام الاجتماعي بما يحتوي على مسلسلات شبابية أجنبية، وحتى الخليجية منها للأسف وطفراتها كل سنة من رمضان، حتى لا نضع اللوم على الغرب %100 بالتأثير، «فأصبحنا ممن يؤثرون في النواحي السلبية أيضاً»، بالإضافة إلى ثقافة «البوب». مثل هذه الأمور موجب مراعاتها فهي تعتبر مؤثرات خارجية ومحيطة بالتعلم وليس التعليم، فهناك فرق بين مؤسسة تعلم ومعرفة تكتسبها خارج المؤسسة. نستطيع القول إن مثل هذه المؤثرات تندرج تحت مفهوم العولمة. ومن المنظور السلبي لمقالات وتقارير مختلفة عن العولمة بأنها غيرت الثقافات والتقاليد وأفقدت الهوية في الجيل الجديد الناشئ. ولكن لنكن صريحين أكثر، نحن تشربنا العولمة، أصبح من الصعب جداً الخروج منها لأسباب وظروف كثيرة تبدأ من كتابتي لهذه المقالة التي تقرؤونها حالياً من جهاز أميركي متصل بشبكة عنكبوتية أساسها نشأ عن طريق وكالة البحوث المتقدمة بالولايات المتحدة في الخمسينيات، لدواع عسكرية مع الاتحاد السوفيتي، واحتسائي لقهوة الصباح المصنوعة في غانا، كونها أجود أنواع القهوة في السوق. ولبسي لعباية سوداء مطرزة بأيادي عمالة هندية لا نستطيع الاستغناء عنها، ولحاجتنا لها في وظائف متعددة ما زلنا نتعالى عليها بانتمائنا لمهن معينة. وهي قضية حصرية في الدوحة للتنويع المهني والتقني.
سببي للتطرق بشكل مباشر للإعلام الاجتماعي، كونه من الوسائل الفكرية المستهدفة للجماهير بفئات مختلفة. فهي تنقل صوراً
مختلفة سواء كانت دراما خيالية أو بطولية وطفرات بالموضة. فهي تقدم انطباعاً للمشاهد (لنخصصها أكثر على المشاهد الصغير) لنرى مدى التأثير على تلك الفئة، إثباتاً بأن التغيير الذي يطرأ عليهم لا يتعلق على تعليمهم بل أيضاً على المؤثرات المحيطة. فلنتكلم هنا عن الإنتاج الأميركي
كمثال كالمسلسلات الدرامية و»الواقعية». فهي تعطي انطباعاً بمتعة الحياة في سن الشباب. بالماديات ومتابعة الموضة بشكل أصبح غير طبيعي، والتعرف على أصدقاء الجنس الثالث، والتعامل مع زواج المثل كأمر طبيعي،
بل أصبح بارزاً بصورة كبيرة جداً في ثقافة «البوب» والمسلسلات الأجنبية الحصرية. مما يؤدي إلى تكوين صورة جديدة في الجيل الناشئ بانجذابه لصور لم تتواجد في السابق في مجتمعنا بكثرة، فبالتالي يبدأ التغيير بهذه الطريقة من بين الطرق والمؤثرات الأخرى، والتنوع في وسائل الإعلام المختلفة (من يوتيوب، شبكات اجتماعية، سينما.. إلخ)! فالنتيجة تكون مخالفة للجيل السابق، بظهور أفراد بل جيل كامل تشرب طفرة فكرية تختلف عن أساس تنشئته، فدعنا لا نلقي اللوم مباشرة على التعليم ونحن في بيئة «متعولمة» بالكامل، بحيث إن ثقافتي وتعليمي لا ينحصر على حصص داخل مدرسة وتعليم حديث بات أن يكون أكثر تعمقاً لمصلحة الطالب بوصوله إلى المستوى المطلوب، وسعياً لتحقيق استراتيجية الدولة 2030، فهناك تحدٍ كبير يجب مراعاته وليس بالسهل.