الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
03:17 م بتوقيت الدوحة

ثلث دولة أو أقل!! (1-2)

أسامة عجاج
نعم كنت أحد أعضاء الوفد الصحافي المصري، الذي ذهب إلى زيارة سوريا منذ أسبوعين، وأثارت ردود أفعال واسعة على الأقل عربياً ومصرياً. بالطبع فإن تاريخي -كما أعتقد- في تغطية الشأن العربي طوال ثلاثين عاما، لا يسمح لا أحد مهما كان، أن يدعي مثلما فعلت وسائل إعلام لبنانية محسوبة على حزب الله، بأنني ذهبت مع زملائي إلى هناك بالتنيسق مع أي جهة مصرية رسمية، سواء مع وزارة الخارجية المصرية أو غيرها. ولم يكن الأمر صحيحا على الإطلاق، فزياراتي العربية تتم في إطار عملي في واحدة من أهم المؤسسات الصحافية، دون اتفاق مع أي كان. كما أنها لم تكن تستهدف، كما تبرع البعض في تحليلات وتقارير منشورة، بأنها تمهيد لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فلم يحدث أي جديد في ذلك المسار، وليس في المدى المنظور أي تغيير في الموقف المصري الرسمي، علنا على الأقل من سوريا. كما أن تاريخي ومواقفي المعلنة شفاهة وكتابة -كما أظن- من ثورات الربيع العربي، سواء في مصر أو سوريا وليبيا واليمن وتونس، تمنع أي اتهام لي بأنني تحولت إلى أحد أبواق النظام السوري. فلست من الذين يجيدون لعبة الدعاية لأي نظام عربي، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بسوريا ونظام بشار الأسد، وقد عرض عليّ زيارتها منذ بداية الأزمة، وكان لدي تحفظاتي، ولكن عوامل عديدة دفعتني إلى القيام بها هذه المرة، بعد أن استشعرت وفقا لرؤية خاطئة -وأعترف بذلك- بأن الأزمة قاربت على الحل. ولم تكن زيارتي على جثث آلاف السوريين الذين استشهدوا في تلك المأساة، أو على حساب الملايين من السوريين الذين نزحوا إلى كل بلاد الدنيا، لقد كان الهدف الرئيسي من تلك الزيارة صحافيا بامتياز، رغبة يمكن أن تجتاح أي صحافي، لمعرفة حقيقة ما يجري على الأرض هناك، وللإجابة عن عشرات الأسئلة، وحل شفرة مئات الألغاز التي تحيط بالمأساة السورية، التي يعيشها شعب ودولة، منذ أكثر من أربع سنوات كاملة، في المقدمة منها -على سبيل المثال لا الحصر- كيف يعيش بقية سكان سوريا الذين فضلوا البقاء في مدنهم وقراهم؟ سواء تلك التي تحت سيطرة الحكومة، أو في المناطق التي يحكمها تنظيم داعش، وجبهة النصرة؟ منها أيضاً إلى أين وصل حجم التدخل الإيراني، ومشاركة حزب الله في العمليات؟ ومنها –ثالثا- كيف استطاع بشار الأسد الصمود طوال السنوات الماضية رغم أن أمثاله حسني مبارك مثلا استسلم بعد 18 يوما من الاحتجاجات، وأقل في الحالة التونسية، وزادت المدة في حالة علي عبدالله صالح، واستسلم معمر القذافي سريعا، وظل هائما ومطاردا حتى تمكنوا من الوصول إليه.
وذهبت إلى سوريا، ومنذ اللحظة الأولى أدركت أنني ذاهب إلى سوريا أخرى، مختلفة، جزء من هذا البلد الشقيق، بكل تاريخه ودوره الحضاري والإنساني، ذاهب إلى ثلث دولة، أو أقل من ذلك، فبرنامج الرحلة يبدأ من مطار اللاذقية، ومنها إلى مدينة طرطوس، وبعدها إلى حمص، ليستقر الحال بنا في العاصمة دمشق، ما يعني أنني في سوريا النظام، ودولة الأسد التي يرضى بها إذا جاء زمن التقسيم، فجزء من استراتيجية النظام الاحتفاظ بالمدن الرئيسية، خاصة في مناطق إقامة الطائفة العلوية، يضاف إليها مدن أخرى، وفي المقدمة منها حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، مع نوع ثالث قد يكون أقل أهمية للنظام مثل درعا والحسكة، دون أن ينفي ذلك أن هناك أكثر من سوريا، الواقع على الأرض يؤكد أن هناك اثنتين أخريين، إحداهما سوريا داعش، والتي تمتد على مسافة واسعة في شرق سوريا إلى شمالها، خاصة على الشريط الحدودي مع العراق، أما سوريا الثالثة، فهي مناطق نفوذ جبهة النصرة ومجموعة التنظيمات التي توحدت مؤخرا، تحت راية أنصار الشام، في إدلب وجسر الشغور، وفي مناطق تماس في الجبهة الوسط على طول الممر الرئيسي، بين حماة وحمص ودمشق، في ظل وجود «حاضنة شعبية» له، في أرياف المدن الكبرى، مثلما عليه الحال في المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، وهي أشهرهم.
وعندما عرفت أن هناك مواعيد ولقاءات مع العديد من المسؤولين في حزب البعث، أمين القيادة القُطرية هلال الهلال، ويوسف الأحمد عضو القيادة القُطرية، آخر سفير لسوريا في القاهرة قبل تجميد العلاقات، ومن السلطة الشريعية رئيس مجلس الشعب محمد جهاد اللاحم، أما الحكومة فالجدول كان يشمل وليد المعلم وزير الخارجية، والأوقاف والإعلام والثقافة، ناهيك عن محافظين ومسؤولين في المدن التي زرناها، فعلينا أن نتوقع أننا أمام دولة الصوت الواحد، والتوجه الواحد، ووجهة النظر الواحدة. فجميعهم جزء من النظام، وكوادر في حزب البعث، رغم اختلاف الطوائف ما بين علويين وسنة، ولم نسع حتى إلى لقاء أي من معارضة الداخل، رغم أنها توصف بأنها مستأنسة، وكثير منها يساهم في تحسين وجه النظام، ومع ذلك سمعنا من مسؤولي النظام تشويها بشعا لهم، وفي المقدمة منهم حسن عبدالعظيم أمين عام تنسيقية المعارضة السورية، والذي لا يمانع في بقاء بشار الأسد في المرحلة القادمة من الحل، رغم كل الذي جرى، كما أن المنسقين للزيارة ليسوا من الذكاء لدرجة إتاحة الفرصة لنا أو لوفود صحافية أخرى للالتقاء برموز تلك المعارضة المستأنسة، لتبييض وجه النظام.
لقد كانت قناعاتي التي لم تتبدل، أن سوريا بداية ونهاية الربيع العربي، على عكس التصور من أنها تونس، لقد أضاع النظام في سوريا أهم تجربة عربية للإصلاح من الداخل، وبمعرفة وتحت إشراف الدولة. ولعلنا نستذكر كيفية وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 1999، كان أصغر من السن المقررة في الدستور السوري، الذي ينص على أن يكون عمر الرئيس فوق الأربعين عاما، ومع ذلك تم تعديل الدستور في جلسة لمجلس الشعب السوري، في ظل شعور عام بالارتياح في الشارع، من إمكانية أن يختلف الابن عن أبيه، كانت سوريا أول تجربة لتوريث الحكم في دولة جمهورية، ولكن تم تجاوز ذلك في ظل قناعة وأمل لدى السوريين، بأن القادم أفضل، مع رئيس شاب مدني، لم ينتم يوما إلى المؤسسة العسكرية، التي أصبحت المورد الرئيس للحكام في المنطقة العربية. كما أنه تلقى تعليمه للطب في بريطانيا أم الديمقراطية، ما يعني أنه كان على تماس مع مقومات الحضارة الغربية، تعلم هناك احترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، والالتزام بالحريات العامة. وبدأ على إثر ذلك ما سمي بربيع دمشق، «لاحظ الاسم» مساحة أوسع من الحريات، منتديات سياسية وثقافية، حراك سياسي في الشارع، انفتاح على الغرب، إعطاء دور أكبر للقطاع العام، وفجأة انتهى كل ذلك، كما لو كان ليلة صيف، بعد أن انحاز بشار إلى مراكز القوى وأركان النظام القديم، فقلص الدولة إلى حزب، ومنه إلى الطائفة، واختصر الأخيرة إلى العائلة، وتم إجهاض تجربة التغيير من داخل النظام، وهي أقل كلفة على كافة المستويات، مع شعوب ترضى بالحد الأدنى، أما المسؤولية فتم تحميلها إلى عبدالحليم خدام نائب الرئيس الأسبق وغيره دون أي دور لبشار.
أما وقائع ما جرى في هذه الزيارة، إلى ثلث دولة فيحتاج وقفة أخرى، ومقالا ثانيا.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

بشرة خير

11 مايو 2013

أفكار سابقة التجهيز..!!

11 ديسمبر 2014

مصر وتركيا.. هناك فرق!

20 يونيو 2015

حلقة مفرغة..!

07 يناير 2016