بين الحقيقة والتخاريف!
09 أبريل 2015 , 02:27ص
مرحلة جديدة بدأت في العلاقات المصرية الأميركية، بالاتصال الذي تم الأسبوع الماضي، بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والأميركي باراك أوباما، حيث حرص الأخير على إبلاغ الأول بشكل مباشر، عن قرار الإدارة الذي ينتظر موافقة مؤكدة من الكونجرس، بتسليم مصر صفقة سلاح مجمدة منذ أكتوبر ٢٠١٣، تضم ١٢ طائرة أف ١٦، و٢٠ صاروخا من طراز هاربون، و١٢٥ مجموعة من قطع غيار دبابات أم ١ آيه ١، ويساهم القرار في إنهاء مرحلة غريبة، من الأوهام والتخاريف، التي روج لها الإعلام المصري خلال الفترة، التي شهدت توتراً في العلاقات بين البلدين منذ ٣ يوليو ٢٠١٣، حول توصيف ما حدث، ما بين اعتبارها تحركاً من المؤسسة العسكرية لدعم إرادة شعبية، ظهرت في تظاهرات ٣٠ يونيو من نفس العام، وما بين اعتبارها انقلابا، خاصة أن القوانين الأميركية، تفرض حظرا على الإدارة، في دعم أو تقديم مساعدات لحكومات، جاءت عن طريق الانقلابات العسكرية.
أما عن الأوهام فهي عديدة من عينة أن سبب العداء بين الإدارة الأميركية ومصر، أن السيسي بما قام به في يوليو، أجهض المشروع الأميركي في اجتياح المنطقة، عبر تبني الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين، وأن أوباما لا ينام الليل، من كثرة انشغاله، وتفكيره فيما يقوم به السيسي، من خطوات ضد مصالح واشنطن، كما أنه لا يستطيع مواجهة الصداع الذي يسببه له نجاحات النظام في مصر، أو أن الإدارة الأميركية لا هم لها سوى التآمر على مصر. أما عن التخاريف فحدث ولا حرج، ابتداء بأن شقيق أوباما مسؤول عن استثمارات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين في إفريقيا، وانتهاء بأن أوباما شخصياً هو أحد كوادر الإخوان المسلمين، وأن أسرة القيادي خيرت الشاطر، لديها كل الوثائق التي تؤكد انضمام أوباما إلى الجماعة، وأنها تقايضه بالضغط على الحكومة المصرية، للإفراج عن الرجل مقابل عدم الكشف عن تلك الوثائق، وحتى الآن لم يتم الإفراج عن الشاطر، الذي يواجه عشرات التهم، وحكم عليه بالإعدام في إحدى القضايا، ولا الكشف عن وثائق التجنيد، أما أعلى درجات التخريف تلك التي تم إثارتها عبر الإعلام المصري، عن معركة بحرية وهمية بين الأسطول المصري، بقيادة الفريق مهاب مميش قائد القوات البحرية المصرية، والأسطول السادس الأميركي في البحر المتوسط، عندما حاول اختراق المياه الإقليمية المصرية بعد ٣ يوليو، واستطاع مميش منع الأسطول من التقدم، وأسر قائد الأسطول الأميركي، والطريف في الأمر، أن مميش لم يكن أصلاً قائداً للقوات البحرية في ذلك التوقيت، بعد أن تركها في أغسطس ٢٠١١، عندما عزل الدكتور محمد مرسي وزير الدفاع الأسبق المشير طنطاوي، ورئيس الأركان سامي عنان، واستعان بعدد محدود من أعضاء المجلس في مناصب مدنية، منهم مهاب مميش في رئاسة قناة السويس، وقائد قوات الدفاع الجوي في الهيئة العربية للتصنيع، كما أن أياً من وسائل الإعلام العالمية، لم ترصد أي معلومات عن تلك المعركة الوهمية، سوى الإعلام المصري، ودون أن تكلف الولايات المتحدة نفسها، بالدفاع عن شخصية عسكرية بهذا المستوى، وتسعى لدى الحكومة المصرية للإفراج عنه، أو المطالبة بذلك، مع تعدد اللقاءات المصرية الأميركية على مستويات مختلفة طوال الفترة الماضية، رغم أن واشنطن تقيم الدنيا ولا تقعدها، للدفاع عن أي مواطن أميركي، أصابه أي ضرر في أي منطقة من العالم.
أما الحقائق فهي مرتبطة بتاريخ العلاقات بين البلدين، والتي امتدت منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى الآن، تنوعت فيها الأنظمة في البلدين، من السادات الذي وضع جحر الأساس لها، منذ قراره بالتوجه غربا بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، ومقولته المشهورة: "إن ٩٩ بالمائة من أوراق قضية الصراع العربي الإسرائيلي في يد واشنطن". ومبارك صاحب أكبر تجربة حكم، والتي امتدت حوالي ٣٠ عاماً، والمجلس العسكري بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، والدكتور محمد مرسي، ثم الرئيس الانتقالي عدلي منصور، وأخيراً عبدالفتاح السيسي. يوازي ذلك عدد لا بأس به من الرؤساء الأميركيين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وقد مرت العلاقات كما هو الحال مع نماذج أخرى مماثلة، بحالات من المد والجز، ولكن حكمها معادلة بسيطة، وهي تقديم المساعدات من الطرف الأميركي، مقابل التعاون المصري مع واشنطن، في العديد من ملفات المنطقة، وضمان استمرار اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، والتي كانت برعاية واشنطن، مع الحصول على تسهيلات ومزايا ذات طبيعة خاصة، من خلال الموقع الاستراتيجي لمصر، ووصل حجم المعونات العسكرية والاقتصادية، طوال الفترة الماضية، إلى أكثر من ٧٥ مليار دولار.
ويبدو أن أحداث ٣ يوليو ٢٠١٣، خلقت معادلة جديدة في العلاقات، أبرز تعبير عنها، ما قاله الرئيس باراك أوباما في حوار له مع شبكة سي أن أن في أغسطس ٢٠١٣، عندما أشار إلى أن "العلاقات لن تعود على ما كانت عليه بسبب ما حدث"، بينما قال عبدالفتاح السيسي في حوار مع وول ستريت جورنال في ٢١ مارس الماضي: "لا يمكن أن ندير ظهورنا لأميركا، حتى لو أدارت هي ظهرها، نحن حريصون على العلاقة الاستراتيجية مع أميركا، فهي فوق كل شيء.
ومن المهم الإشارة إلى أن الحقائق، تكشف عن أن الأزمة الأخيرة في العلاقات، والتي أدت إلى تجميد المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، والتي تم اتخاذ القرار حولها في أكتوبر عام ٢٠١٣، لا علاقة لها مباشرة بأحداث ٣ يوليو، خاصة أن قضية الديمقراطية أو التداول السلمي للسلطة، لم يكن في يوم من الأيام، في أولويات الإدارة الأميركية، في صياغة علاقاتها مع القاهرة، بدليل استمرار مبارك في السلطة كل تلك المدة، مع احتفاظ نظامه بعلاقات استراتيجية مع الإدارة الأميركية، ولكن الأمر يعود في جزء منه، إلى التجاوزات الفجة في مجال حقوق الإنسان، والملاحظات الدولية من منظمات حقوقية دولية على ملف حقوق الإنسان، دون أن يتعلق الأمر بدعم جماعة الإخوان المسلمين، أو إعادتهم إلى الحكم في مصر، كما يروج البعض، بدليل أن الاتصالات على أعلى مستوى، ظلت مستمرة بين كبار المسؤولين في البلدين، سواء عبر جون كيري وزير الخارجية، الذي تعددت زياراته إلى مصر، أو عبر بوابة البنتاجون ووزير الدفاع، كما كان هناك حرص من الطرفين على اللقاء أثناء مشاركة عبدالفتاح السيسي، في أعمال الدورة العادية للأمم المتحدة، وكان آخر تواصل بين الطرفين زيارة رئيس الأركان المصري الفريق محمود حجازي إلى واشنطن.
وقد تنوعت الأسباب وراء ذلك القرار، من ذلك مشاركة القاهرة في التحالف ضد داعش، كما أن هناك احتياجاً للدور المصري في الآونة الأخيرة، في ضوء العديد من الأزمات التي تمر بها المنطقة، ومشاركة مصر في التحالف العربي ضد جماعة أنصار الله في اليمن، ومكافحة الإرهاب في سيناء، ويبدو الجديد في المساعدات الأميركية أنها أصبحت محصورة في أربع مجالات، مكافحة الإرهاب، وآمن الحدود، وآمن سيناء والأمن البحري، وصيانة نظم التسليح المستخدمة في مصر، مع البدء في نظام جديد للمساعدات، اعتباراً من عام ٢٠١٨، يتم خلالها وقف آلية التمويل النقدي للمعدات العسكرية، واستخدام وسيلة الائتمان اعتماداً على التدفق المتوقع للمساعدات، مما يمكن الإدارة الأميركية، من قطع أو تخفيض المساعدات الأميركية، في أي مرحلة من المراحل.
usama.agag@yahoo.com •