


عدد المقالات 80
كثيراً ما ألقى العالم الجليل الأستاذ الدكتور: عدنان زرزور فأبثه شيئاً من هموم الأدب، فأستخرج بذلك مكنون نفسه الكريمة من مخبوء الحكم والشعر العميق. مرة وجدته في الكلية؛ وكان على عجلة من أمره فألقى علي بيتاً من الشعر ثم ضحك ضحكته المحببة المعهودة، واستقل المصعد الكهربائي وتركني أتخبط في حيرتي: إذا رشد المعلم كان موسى وإن هو ضل كان السامريا!! ظللت واقفاً مكاني كالأبله! مشدوهاً بجمال هذا البيت، أكل هذه المعاني العظيمة الراقية جاءت في بيت واحد؟! كان موسى، قطعاً ليس موسى الزهراني! بل موسى عليه السلام في تعليمه، لا في نبوته بطبيعة الحال.. وإن ضل كان مثل (السامري) الذي أضل قوم موسى.. موسى هدى الناس، والسامري أضلهم!. لحقت الدكتور عدنان فأدركته وجلست أمامه فقلت: هيه! فضحك.. وقال: أخي لست أعلم من أين أتى شوقي بهذه المعاني الغزيرة كلها؟ وهذه الثقافة القرآنية الدقيقة؟ انظر كيف جمع في هذا البيت بين معلمين، راشد وضال.. وكيف صور لنا رشد المعلم وأمانته وإخلاصه كتعليم موسى عليه السلام بني إسرائيل، وكيف صور لنا ضلال المعلم إذا ضل فإنه يكون مثل السامري الذي قبض قبضة من أثر الرسول، فكانت عجلاً جسداً له خوار فدعاهم إلى عبادته فعبدوه من دون الله!. قلت: أين ورد هذا البيت شيخنا الكريم؟! قال: في رثاء شوقي لأستاذه الذي علمه صغيراً. رجعت أبحث حتى وقعت على قصيدة شوقي التي قال عنها الدكتور زرزور: إنها من عيون الشعر حقاً.. وجدتها وقرأتها بوجداني فوجدت شوقي سكب فيها روحه.. مات معلمه علي فلم يصدق شوقي أن معلمه الحبيب قد دفن في التراب: أحق أنهم دفنوا عليا وحطوا في الثرى المرء الزكيا؟! شوقي الذي تشربت نفسه العلم من معلم مخلص في زمن يرى للمعلم كل حق في نيل التقدير والاحترام واصل تعجبه: فما تركوا من الأخلاق سمحاً على وجه التراب ولا رضيا ولم ينس صفات معلمه الكريمة: مضوا بالضاحك الماضي وألقوا إلى الحفر الخفيف السمهريا أبي النفس في زمن إذا ما عجمت الناس لم تجد الأبيا وليس بالأمر السهل أن يمدح أمير الشعراء شخصاً إلا إن كان رأساً في الناس: تعود أن يراه الناس رأسا وليس يرونه الذنب الدنيا وتحسر على السراج الذي انطفأ: حياة معلم طفئت وكانت سراجاً يعجب الساري وضيا وأخبر عن تاريخه معه منذ الصبا: سبقت القابسين إلى سناها ورحت بنورها أحبو صبيا أخذت على أريب ألمعي ومن لك بالمعلم ألمعيا ثم ختمها بالبيت الذي هز مشاعر العلامة الدكتور عدنان زرزور وهزني: إذا رشد المعلم كان موسى وإن هو ضل كان السامريا يا شيخ شوقي! هلا رثيتنا نحن أساتذة الجامعة، الأحياء الأموات؟! نحن أحق بالرثاء من معلمك علي!!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...