محاكمة.. ومحاكمة!!
07 نوفمبر 2013 , 12:00ص
وكأنها أحد فصول الدراما الإغريقية القديمة، تلك التي يعيشها الشعب المصري هذه الأيام، فهو الذي عاش على «عبادة الفرعون» «وتقديس الرؤساء»، الذين يخرجون من قصر الرئاسة إلى غياهب القبر، كتب عليه أن يشاهد بأم عينه سقوط رئيسين في أقل من ثلاث سنوات «المخلوع» حسني مبارك بأمر الشعب، والدكتور محمد مرسي» المعزول» بحكم الانقلاب العسكري، وأن يرى بنفسه وقائع محاكمة كل منهما على تهم تبدو في بعض الأحيان متشابهة، مثل قتل المتظاهرين، ومختلفة ومنها تلك التهمة الغريبة، والخاصة بالتخابر مع جماعة حماس. والغريب في الأمر أن «الأول» حسني مبارك تم تبرئته منها تماماً، رغم أن الوقائع كانت تشير إلى تورطه، ولكن النيابة والنائب العام، الذي تم تعيينه في زمن مبارك قدم قضية مهلهلة تفتقد إلى التماسك، يضاف إلى ذلك أن أركان نظامه، ساعدوه على الإفلات بجريمته، خاصة أن بعضهم كان متورطا فيها. بينما «الثاني» الدكتور محمد مرسي، فقد تم ذبحه من القيادات العاملة معه، سواء في ذلك وزير الداخلية السابق أحمد جمال الدين، والمكلف وفقا للقانون بحماية مؤسسات الدولة، من أي اعتداء عليها. ومن اللواء محمد زكي قائد الحرس الجمهوري المكلف رسميا، بحماية قصر الاتحادية مقر الحكم، وكذلك الرئيس نفسه، حيث اعتمدت النيابة على شاهدتهما، في توجيه الاتهام إلى الدكتور محمد مرسي، ومجموعة الرئاسة، في تهمة قتل المتظاهرين، عند قصر الاتحادية في ديسمبر قبل الماضي.
ولعل من الظلم البين النظر إلى المحاكمتين بمنظور واحد، ومن خلال رؤية واحدة، رغم تشابه التهمة، نظرا لاختلاف الشخصين، والظروف المحيطة بمحاكمة كل منهما، ونتوقف عند بعض الملاحظات ومنها:
أولا: الأجواء المحيطة بالمحاكمة، حيث كان هناك حرص من المجلس العسكري،أن يتم البث الفوري والعلني، لمحاكمة مبارك، بينما تم منع إذاعة سوى لقطات مختارة، من محاكمة الدكتور محمد مرسي على خلفية الخوف من أن يتمكن الدكتور مرسي من تحويل وقائع المحاكمة إلى محاكمة للانقلاب، وكل الإجراءات التي تم اتخاذها في 3 يوليو، وهو قادر على ذلك، إذا سمحت له المحكمة بالحديث. كما أحاطت بمحاكمة الدكتور محمد مرسي أجواء مشحونة وصلت إلى الإعلان عن رفع درجات الاستعداد القصوى لجميع أفرع القوات المسلحة، وهو الإجراء الذي لا يتم سوى أثناء الاستعداد لمواجهة حرب مع عدو، بالإضافة إلى الإعلان عن حالة الطوارئ بين قوات الأمن، وتخصيص الآلاف من الجنود والضباط لتأمين المحاكمة، مع الترويج لمجموعة من الأكاذيب والافتراءات عن خطط وضعتها أجهزة مخابرات دولية وإقليمية، لتهريب الدكتور محمد مرسي وإفساد المحاكمة، بل تحدثت بعض الجهات حول رغبة الإخوان، في افتعال صدام مع أجهزة الأمن، والسعي إلى تحويلها إلى بحر من الدماء لاستثمارها دوليا، بالإضافة إلى رفع درجة الاستعداد في مصالح الدولة، وتأمين الممر الملاحي في قناة السويس، كما لو أن الأمر يتعلق بحرب، وليس بمحاكمة شخص رئيس جمهورية شرعي تم إزاحته بانقلاب عسكري.
ثانيا: كشفت المحاكمات عن طبيعة شخصية الرئيس محمد مرسي، والمخلوع حسني مبارك، فالأول ومن خلال اللقطات القصيرة، التي أذاعها التلفزيون المصري، والتي مرت على ألف رقيب، والعديد من الأجهزة المعنية، والتي استهدفت أن تخلو اللقطات من احتمالات للتعاطف الجماهيري معه، أو القبول بفكرة الضحية، بدا واثق الخطى متماسكا، يملك أعصابا فولاذية، يتسم بثبات انفعالي، مهتما بمظهره دون مغالاة، رغم صعوبة اللحظة، وقساوة التهم، والشعور بالظلم الذي تعرض له، وحجم الغدر والخيانة الذي واجهه من مرؤوسيه، بينما الثاني حسني مبارك كان مستسلما لمصيره، حاول أن يكتسب تعاطف الجماهير، بحضور المحاكمة من فوق سرير طبي، وفي مظهر خادع، من رجل يعاني من أمراض الشيخوخة، رغم أنه كان حريصا على صباغة شعره، وهكذا كان الأول «مناضلا» يدفع ثمن مواقفه من حريته. والثاني «موظفا» فقد وظيفته، بعد أن تم الكشف عن فساده.
ثالثا: أظهرت التسريبات والتغطية الإعلامية للمحاكمة عن مدى صلابة الدكتور محمد مرسي، وتمسكه بمواقفه دون أن يتزحزح عنها «قدر أنملة»، ومنذ اليوم الأول للانقلاب، في حرصه على الحفاظ على الشرعية التي يمثلها، وكان يردد أنا الرئيس الشرعي، بل طلب من رئيس المحكمة، تمكينه وفقا للدستور من أداء مهمته كرئيس منتخب على خلاف ما تم مع الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي تنازل طواعية عن أداء مهامه، وأعلن ذلك على الشعب، من خلال بيان ألقاه اللواء عمر سليمان نائبه يوم 11 فبراير عام 2011، كما كان الرئيس محمد مرسي حريصا على عدم إعطاء أي شرعية للمحاكمة، التي جاءت مخالفة للمادة 152 من الدستور، والخاصة بمحاكمة رئيس الجمهورية، من خلال محكمة خاصة، يرأسها رئيس مجلس القضاء الأعلى، وعضوية أقدم نواب المحكمة الدستورية العليا، ومجلس الدولة، وأقدم رئيس بمحكمة الاستئناف، كما رفض بقية المتهمين في القضية وفي مقدمتهم الرئيس محمد مرسي الاعتراف أصلا بالمحاكمة التي جاءت مخالفة لكل القوانين، والأعراف والدستور، ويكفي أن اثنين منهم الرئيس مرسي وأسعد الشيخة، لم يتم تحويلهما إلى المحاكمة بأمر إحالة من النيابة العامة، كما ينص قانون العقوبات، وأصول التقاضي، بل تم احتجازهما واختطافهما من مقر عملهم في رئاسة الجمهورية إلى مكان مجهول حتى عن المحققين أنفسهم، الذين انتقلوا إليهم لحين عرضهم على المحكمة.
رابعا: القضية «سياسية» بامتياز في حالة الدكتور محمد مرسي، «وجنائية» بكل المقاييس في حالة حسني مبارك، ففي الحالة الأولى، لم يثبت أن الدكتور محمد مرسي، أو أيا من معاونيه في رئاسة الجمهورية، قد أصدر قرارا شفويا، أو كتابيا لأي من الأجهزة المعاونة، سواء قوات الأمن، أو الحرس الجمهوري بالتعرض للمتظاهرين بأي صورة من الصور، والغريب أن الجهتين تقاعستا عن القيام بواجبهما في حفظ الأمن، أو حماية المنشآت العامة، وهي في هذه الحالة مقر رئاسة الجمهورية، بل تركا الحرية كاملة للمتظاهرين الذين تعرضوا لموكب الدكتور محمد مرسي عند خروجه من المقر، استجابة لنصائح قائد الحرس الجمهوري، وطلب أن يتم الانتهاء من فض التواجد أمام القصر، دون إراقة دماء، رغم أن المتظاهرين وصلوا في وجود قوات الأمن إلى أسوار القصر، ومحاولة فتح بواباته، وإلقاء قنابل حارقة في داخله، بينما الحرس كان حريصا على التواجد داخل أسوار القصر وليس خارجه حتى لا يتم استفزاز المتظاهرين كما قيل يومها.
خامسا: الغريب في الأمر، أن كل الضحايا الذين استشهدوا في تلك المظاهرة، هم من الإخوان المسلمين، ومن أعضاء الحرية والعدالة، ما عدا المصور الصحافي الحسيني مما يعني أن من قام بالقتل آخرون، وليسوا من نفس الحزب أو التيار، وأن الأمر قاصر على مواجهات بين متظاهرين مختلفين، ما بين مؤيدين للنظام، ومعارضين لهم، دون أن يكون هناك أي صلة من أي نوع بمجموعة رئاسة الجمهورية بكل ما جرى.
وتشير بعض الوقائع أن هناك مفاجآت كثيرة ما زالت في الانتظار سواء ما يتعلق بالمحكمة أو بتطوراتها والتي سيتم استئنافها أوائل العام القادم.