الثلاثاء 10 ربيع الأول / 27 أكتوبر 2020
 / 
12:36 م بتوقيت الدوحة

قحط ثقافي بمرض انتقالي!

بثينة الجناحي
أن يمر العالم بقحط ثقافي، فهذا ليس بأمر عادي، فتبعاته كثيرة، ولكن لنعتبره في البداية أمراً وارداً في ظل الأزمات التي لم تكن في الحسبان، ولا تقف الأزمات عند السياسة، بل لاحظنا وبمرارة كيف للأمراض الانتقالية أن تكون بطلة الحدث، تقابلها أنانية من قبل أفراد المجتمع دون تعميم، من حيث الاستهانة بواقع لم يعتبره محتملاً اليوم، مكتفياً بقراءته عبر التاريخ وبقائه في التاريخ، ولكن يكمن السؤال الأهم حينما نكون في المحنة، بينما نعيش التفاصيل ونواكب الأعداد والتوقعات السارّة منها والصادمة، إذ هل يمكننا أن ندرس المقاييس الاستراتيجية التي تحدّ من القحط الثقافي؟
وقبل أن أجيب على هذا السؤال، يتعين عليّ أولاً شرح -وبشكل مبسط- هذا المصطلح من وجهة نظري، فلا يوجد له تعريف معتمد، فهو بمثابة إشكالية يقع من خلالها المثقف وتحدٍّ للمثقف نوعاً ما نحو الالتفاف حول المحتوى المتداول، واستهلاك المحتوى نفسه دون الفرار أو القدرة على الولوج لمحتويات أخرى أكثر تنوعاً، ولا يحدد المفهوم في هذه الحالة الفترة الزمنية أو حادثة معينة لمثل تلك الإشكالية، إنما يعتبر الموضوع كأزمة بدت سائدة على سائر المثقفين، حتى تبين أن المثقف يقع في الموال نفسه، أو يسترجع الموال السابق استذكاراً لماضٍ مجيد، وبهذه الصورة يتم تداول المحتوى المتشابه واعتماده بأنه أساس من سيرة النخبة وأساس للثقافة، ولنتخيل ما يترتب عليه هذا الخلل وهذا الاختناق الثقافي الذي لا ينجو من خلاله التنفيس أو الإبداع بمعانيه الواسعة، والتي تبتعد حسب الأجيال من أساس سابق نحو مناظير معاصرة.
ولا أحاول من خلال هذا المقال أن أسترسل في الحديث عن المسألة الثقافية في ظل الأوضاع العادية، إنما ظننت استخدام المصطلح وتطويعه في ظل الأزمة الصحية المعاصرة «كوفيد - 19»، أتفهم النقلات التي نمرّ من خلالها وتجاوز الصعاب نحو الخطط والحلول البديلة للاستمرارية رغم الابتعاد الاجتماعي، إذ أبحث عن من يراقب من بعيد، يتابع آلية التعلّم والفهم وغرس القيم وليس مجرد التعليم، آلية الفهم وليس التحفيظ، أبحث عن من يدرس الاستراتيجيات لمشاريع فاعلة خلال الفترة الراهنة، فلنضع حديثنا على عاتق التواصل الاجتماعي اليوم، إذ أجد أن التواصل الافتراضي لا يزال النجمة الساطعة في ظل البقاء في عرش منازلنا، على الرغم من قلة الاستفادة وزيادة في التداول وكثرة الارتكاز أمام شاشات الهواتف، أين تكمن الوسائل الأخرى؟ أين يكمن دور الفرد في بناء قدراته المعرفية؟ تمكينه الوظيفي نحو تحديات جديدة؟ رفع كفاءته وزيادة المساحة لإبراز آفاقه الفكرية؟ لم أجد هذا أو ذاك بعد، إنما وجدت المقابلات الافتراضية على منصّات التواصل الاجتماعي، ضيف يُستضاف في حساب، والضيف نفسه يُستضاف في حساب آخر. موضوع متداول ما قبل «كورونا»، يتم تداوله خلال فترة «كورونا»، وهذا دليل على أن بعض المواضيع قابلة للمناقشة باستمرار، ولم تحظَ بفرصة التطوير سواء قبل أو خلال الأزمة الصحية، وهذه إشكالية بحد ذاتها، قد تكون فترة «كورونا» فرصة دراسة خطة للتنفيذ وليس لاستمرارية النقاش!
ومن هنا نصل إلى أن القحط الثقافي حاصل بسبب استمرارية توارد المعرفة نفسها، دون فرصة الارتقاء إلى معرفة أخرى، ولكم أن تقيسوا هذا المصطلح على مجالات عدة، قد تكون في النشر، في مواضيع تواصل اجتماعي، وصولاً إلى الأبحاث العلمية حتى والنصوص الدرامية، ولا تستغربوا عندما تكون في وصفات طبخ أيضاً!

اقرأ ايضا

نشرة أخبار جوية

04 أكتوبر 2018

«ترويقة صباحية».. حكومية!

12 نوفمبر 2015

طلقة!

01 يونيو 2017