عرض لمرض!!
07 مايو 2015 , 02:11ص
في منتصف الثمانينيات، كنا مجموعة من رؤساء تحرير الصحف المصرية، وبعض الكتاب والصحافيين المسؤولين عن الشؤون العربية، في زيارة للسعودية، لتغطية إحدى القمم الخليجية التي استضافتها المملكة، كانت أجواء العلاقات المصرية السعودية ملبدة بالغيوم، بسبب حملة صحافية من أحد كبار الصحافيين في مجلة شهيرة، تناولت بالهجوم غير الموضوعي، والاتهامات المغرضة، بعض الشخصيات السعودية القريبة من دوائر صنع القرار، ويومها التقى الدكتور عبدالسلام الفارسي -متعه الله بالصحة- مع مجموعة الصحافيين المصريين، وكان وقتها ما زال وكيلا لوزارة الإعلام السعودية للإعلام الخارجي، قبل أن يتولى الوزارة، حرص الرجل على الاستماع إلى كل الموجودين، حول تفسيرهم لذلك الهجوم، وتنوعت الإجابات، منهم من طالب بعدم الاهتمام بالهجوم، ومنهم من قلل من شأن تأثير الحملة، وانتقص من إمكانات صاحبها، وعندما جاء الدور عليَّ للإجابة، وكنت أصغرهم سنا ومقاما، قلت للدكتور الفارسي تلك الحملة "عرض لمرض" سببها وجود أزمة سياسية، وإن كانت مكتومة، في ظل حرص الطرفين المصري والسعودي على عدم خروجها للعلن، يتم التعبير عنها من خلال حملة ذلك الزميل، خاصة أن كل الزملاء يدركون حجم التداخل بين السلطة المصرية والإعلام، وبين بعض الأجهزة السيادية وبعض الصحافيين، الذين يتحولون في تلك الحالة إلى أداة يتم استخدامها للتعبير عن الأزمة، أو كإحدى وسائل الضغط، وأضفت يومها "أنت يا سعادة الوكيل الأقدر، بحكم قربك من دوائر صنع القرار، معرفة أسباب تلك الحملة". يبدو أن كلامي -رغم أنه لم يقدم إجابة، وطرح تساؤلا- لقي استحسانا من الدكتور الفارسي.
تذكرت تلك القصة، ونحن نعيش صورة أخرى مشابهة، واستنساخا جديدا لها، بشخوص مختلفة وفي أجواء مغايرة تماما، فالعلاقات المصرية السعودية ليست على ما يرام، على الأقل في الأشهر القليلة الماضية، بعد تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لمهامه، وظهور جيل جديد من القيادة في المملكة، ويبدو أن تلك العلاقة فقدت كثيرا من الزخم الشديد، الذي عاشته بعد أحداث 3 يوليو 2013،عندما ألقت القيادة السعودية بكل ثقلها، وراء ما حدث في مصر، وأبدت دعمها المطلق لذلك التغيير، ولرجال المرحلة الجديدة في مصر، والذي اتخذ أشكالا مختلفة، منها ما هو سياسي، ووصلت الأمور إلى أزمة بين الرياض وواشنطن، في ظل تحفظها على ما جرى في مصر، واستخدام السعودية لكل أوراق الضغط لتعديل الموقف الأميركي، ومنها ما هو اقتصادي عبر حزمة من المساعدات الاقتصادية، وشحنات بترولية لمعالجة مشكلة الطاقة في مصر، لم تكتفِ السعودية بذلك، بل شجعت دولا خليجية أخرى، على السير في نفس الطريق، لدرجة أن المساعدات وصلت إلى أكثر من 30 مليار دولار في حوالي عام.
وتميزت تلك المرحلة بمحاولة إنكار أن هناك تغييرا في زخم العلاقات، صحيح أنها لم تصل إلى درجة التأزم، ولكنها لم تعد كما كانت عليه في السابق، رغم تعدد الزيارات بين قيادة البلدين، ولكنها جميعا كانت مرتبطة بمناسبات معينة، ما عدا الأخيرة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للرياض قبل أيام، والتي كشفت عن محاولة مصرية لاحتواء الأزمة وتطويقها، فقد بدأت بزيارة بروتوكولية من الرئيس المصري لتقديم واجب العزاء، مثله مثل عدد كبير من قادة العالم، وجاءت بعد أيام من وفاة الملك عبدالله، وعدم المشاركة في الجنازة، وزيارة أخرى لاستكشاف الجديد في قمة هرم السلطة في البيت السعودي، أما المملكة فقد شاركت بوفد برئاسة الملك سلمان، لحضور القمة العربية في شرم الشيخ، واستمرت ساعات، اقتصرت على المشاركة في الجلسة الافتتاحية للقمة، ثم المغادرة، وقبلها المشاركة في المؤتمر الاقتصادي بوفد يرأسه الأمير مقرن ولي العهد في ذلك الوقت للمؤتمر الاقتصادي، أما الزيارة الثالثة فكانت للأمير محمد بن نايف وزير الدفاع أثناء عاصفة الحزم.
وخرج أمر التباين المصري السعودي إلى العلن في الأسابيع الأخيرة، ولن أقول أزمة أو قطيعة، فالأمر في حقيقته لم يصل إلى هذا الحد، وهناك حرص من الجانبين على عدم التصعيد، وظهرت العديد من المؤشرات على ذلك، نتوقف عند بعضها:
أولا: هناك اختلاف في تحديد أولويات كل من البلدين، ودوائر الاهتمام، والشعور بالمخاطر على الأمن القومي لكل دولة، ومن ذلك أن القاهرة تتعامل مع الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين، على أنهم الخطر الأكبر، ليس على مصر فقط، ولكن على كل المنطقة العربية، وتحاول الترويج لتلك السياسة في العديد من الدول، بينما ترى المملكة أن تلك القضية قد لا تمثل خطرا مباشرا على أمنها، ولا المنطقة إذا تم مقارنتها بمخاطر جماعات متطرفة، تعلن تبني العنف وسيلة للتغيير، ومن ذلك داعش مثلا، وتنظيم القاعدة، كما أن هناك شعورا كبيرا بمخاطر السياسة الإيرانية، وسعيها للهيمنة على المنطقة.
ثانيا: وجود تباين تجاه العديد من القضايا الإقليمية، ولعل أبرز مثال على ذلك الأزمة السورية، وقد ظهر ذلك التباين في القمة العربية الأخيرة، عندما اعترض الأمير سعود الفيصل على مضمون خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتن للقمة، خاصة ما يتعلق بالموقف الروسي من الأزمة السورية، والتي ترى السعودية أن الأسد بعد كل ما جرى، لم يعد جزءا من الحل، بينما ترغب مصر في تعويم بشار، كضمانة لعدم تقسيم سوريا، والحفاظ على استقرارها.
ثالثا: الطريقة الجديدة لتقديم المساعدات السعودية إلى مصر، والتي تم الإعلان عنها في المؤتمر الاقتصادي، والتي اقتصرت على تقديم أربعة مليارات، رغم الآمال التي عقدتها مصر على الدعم السعودي، منها اثنان مليار وديعة في البنك المركزي، والباقي مشروعات عبر الصندوق السعودي للتنمية، ومشاركة القطاع الخاص السعودي فيها، دون أي هامش للحركة أمام الحكومة المصرية، بينما لم تكن الأمور منذ 3 يوليو تسير بنفس المنهج، بل تم تقديم المساعدات بشكل مباشر، مع إعطاء الحكومة المصرية الحرية الكاملة في استخدامها في مجال تراه.
رابعا: الحملة التي يقودها بعض الإعلاميين القريببن من دائرة صنع القرار، والمحسوبين على الرئاسة المصرية، تناولت انتقادات للأوضاع في السعودية، وتحفظات على عملية عاصفة الحزم، وتحذيرا من إمكانات تطوير العملية إلى الهجوم البري، ما يمثل -كما قال هؤلاء- توريط مصر في مستنقع اليمن، مع صعوبة الخروج منه، ودعوة إلى إعادة الاعتبار إلى العلاقات المصرية الإيرانية، في إطار المصالح المتبادلة، وعدم رهنها بالمواقف الخليجية الأخيرة من طهران، ويبدو أن الأمر خرج عن السيطرة، لدرجة أن الأمير محمد بن سلمان، عندما زار القاهرة، اصطحب معه وزير الإعلام الجديد، والذي حمل ملفا كاملا عن تجاوزات الإعلام المصري، في حق المملكة العربية السعودية، كما أن التصريحات الأخيرة للسفير السعودي أحمد قطان في القاهرة، كشفت عن تطور جديد في القضية، ويتعلق بمخاطبة رئاسة الجمهورية عن تلك التجاوزات والحملات، وأن الرئاسة وعدته بالتدخل.
ولعل الزيارة الأخيرة للرئيس السيسي للرياض، استهدفت تطويق تلك الخلافات، وذلك التباين، والأيام القادمة ستشكف عن النتائج، هل استطاعت الرئاسة ضبط الإعلام المصري؟ أم أن الأمور تسير في اتجاه التصعيد.
usama.agag@yahoo.com •