كما كنت..!!
07 مارس 2015 , 01:53ص
هي إذن لغة العسكريين، ولكن المعادل لها عند المدنيين «يبقى الحال على ما هو عليه» أو «العودة إلى المربع رقم واحد» «أو نقطة الصفر». كلها تعبيرات تؤدي إلى نفس النتيجة، وهي أن المحكمة الدستورية في مصر، قضت بعدم دستورية المادة الثالثة من قانون رقم 202 لسنة 2014، والخاص بتقسيم الدوائر الانتخابية، والنتيجة هي تأجيل إجراء الانتخابات البرلمانية، والتي كان من المقرر لها أن تبدأ في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، وقد استوقفني في الحكم بعيدا عن مضمونه ومغزاه -فهي أمور بعيدة عن المناقشة-، عدة ملاحظات، ومنها أن البعض خاصة في جماعة الإعلام المصري، أظهر تشفيا واضحا، وسعادة غامرة بالحكم، وظهرت مانشيتات بعض الصحف من عينة «انتخابات البرلمان فركش»، وهي كلمة بالعامية المصرية تعني أن «المولد قد انفض»، وصحيفة أخرى تحدثت عن «البرلمان في علم الغيب»، وثالثة قالت «عطل في خريطة الطريق»، ومثل هذه الصحف ومعها الفضائيات الخاصة، تعكس كما هو معروف على نطاق واسع توجهات النظام، وتنفذ تعليماته، وتعبر عن إرادته، ولم يعد خافيا على أحد، ومنذ فترة ليست بسيطة، أن النظام في مصر ليس متحمسا أصلا لفكرة الانتخابات البرلمانية، لدرجة أن مصر تعيش من دون حياة برلمانية، أو سلطة تشريعية منتخبة، منذ أن قضت المحكمة الدستورية بحل برلمان 2012، وذهاب سلطة التشريع -في مخالفة واضحة- إلى مجلس الشورى، والذي تم حله هو الآخر في 3 يوليو 2013، صحيح أن رئيس الجمهورية يتولى بالإضافة إلى ترؤس السلطة التنفيذية، فهو يجمع معها السلطة التشريعية، ما يعني أن الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور مارس المهمتين، وكذلك عبدالفتاح السيسي، كما أن الفترة الماضية شهدت عدة أشكال لتغيب البرلمان، فرغم النص على أن يكون من بين خطوات خارطة الطريق، التي تم الإعلان عنها في 3 يوليو، وكانت من أوائل استحقاقات تلك المرحلة، بالإضافة إلى تعديل نصوص مختلفة عليها في الدستور السابق، إلا أن جميع بنود تلك الخارطة لم يتم الالتزام بها. التعديل تحول إلى وضع دستور جديد، الفترة الانتقالية استمرت عاما كاملا، بعد النص على أنها لفترة ستة أشهر فقط. كما أن الانتخابات البرلمانية تم اللعب بمصيرها، وكانت مقررة وفقا لذلك الإعلان قبل الرئاسية، ولكن التعجيل بوصول وزير الدفاع في ذلك الوقت عبدالفتاح السيسي إلى الرئاسة، كان وراء التعجيل بها، وتأخير الانتخابات البرلمانية.
والعجيب أن انتخابات البرلمان، كان مطلبا خارجيا، أكثر منه قناعة رسمية أو استحقاقا داخليا ملزما، لمن وضع الإعلان الدستوري وخارطة المستقبل، لهذا فتم الإعلان عن موعد تلك الانتخابات فقط، حتى يشجع العديد من دول العالم، على المشاركة في المؤتمر الاقتصادي، خاصة أن العديد من دول العالم خاصة في الغرب، كان من الصعب عليها أن تقدم قروضا، أو مساعدات أو تشجع على الاستثمار، في بلد يعيش كل تلك الفترة، بدون سبب مقنع أو موضوعي، من دون مجلس نيابي، وفي ظل نظام يهتم بالشكل فقط، كان من المهم لديه أن يأتي رجال الأعمال، وكبار المستثمرين، وقادة الدول المشاركة في المؤتمر الاقتصادي، ولافتات المرشحين تملأ سماء مدن مصر، والحديث لا ينقطع عن المعركة الانتخابية وتحالفاتها، والمنافسة حول مقاعد البرلمان، أما حقيقة الأمر، فإن الوضع الحالي هو الأكثر راحة للطبقة الحاكمة في مصر، فالرئيس الذي يتمتع بشعبية وظهير شعبي كما يرددون، لديه حرية الحركة، والقدرة على التنفيذ، مع امتلاكه السلطتين التشريعية والتنفيذية معا، بعيدا عن مشاكل البرلمان، ومصالح أعضائه، وصراعات أحزابه. ولم يكن بعيدا عن هذا التوجه، أن السيسي لم يعر أي اهتمام للأحزاب السياسية المصرية، رغم أنها سعت كثيرا، ومن اتجاهات مختلفة وعرضت عليه أن تكون ظهيرا سياسيا له، أو تمثل حزب الرئيس، ولكنه تمنع عليها، ولم يلتقهم سوى مرة واحدة، رغم تعدد لقاءاته مع إعلاميين وفي مناسبات مختلفة، بل الأكثر أن أذرع النظام الإعلامية قامت بحملة ضارية ضد الأحزاب المصرية، تم خلالها اتهامها بغيابها عن الشارع، وافتقادها للجماهيرية، وأن عملها قاصر فقط على الظهور في الفضائيات، وافتعال صراعات وهمية.
وكل المؤشرات تؤكد أن الحكم بعدم دستورية هذه المادة، لم تكن مفاجأة لأحد، رغم ادعاء البعض، بل إن البعض يذهب بعيدا ليؤكد أن الأمر كان مقصودا، بوضع العديد من المواد التي يمكن الطعن عليها، وهو ما حدث بالفعل، وتم الطعن على أكثر من مادة، ومنها المادة الثالثة التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها، ومنها أيضاً عدم دستورية المادة 543 من قانون مجلس النواب، لمخالفته لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، وعدم دستورية المادة 25 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، والخاص بوجود فرق بين تكلفة الحد الأدنى والأقصى، للدعاية الانتخابية بين المرشح الفردي، ومرشحي القوائم. الهدف كان واضحا، وهو تأجيل الانتخابات إلى أقصى مدة ممكنة، حتى يتم الإعداد والتجهيز لمجلس نواب على مقاس النظام، منزوع الدسم السياسي، تغيب عنه المعارضة، وهناك مسؤولية مضافة على الأحزاب السياسية، التي تعاملت مع انتخابات البرلمان، مثل «التورته» حتى لو كانت مسمومة، وراحت تبحث بنهم عن نصيبها منها، ولم تبذل أي جهد باتجاه القوانين المنظمة للانتخابات، ولم تعارضها، لم تقف الموقف المنوط بها، تجاه استفراد الحكومة، وعبر اللجنة التشريعية بوضع تلك القوانين، وإهمالها لكل الملاحظات التي أبدتها، وكان المهم لدى البعض الاستفادة من غياب تيار الإسلام السياسي، خاصة الإخوان المسلمين، في ظل الاعتقاد الجازم بأنها قد تكون الوريث الشرعي لهذا التيار، كما أن الحكومة لم تسعَ إلى حوار مجتمعي أو سياسي، واكتفت فقط بإرسال استمارة استبيان، سجلت فيه العديد من الأحزاب ملاحظاتها، وأبدت تحفظاتها على القوانين الثلاثة المتعلقة بالانتخابات، ولم تهتم الحكومة بها.
وبعدُ، فما صورة المستقبل أمام هذا البرلمان الحائر بعد التأجيل؟ البعض يرى إيجابية فيما حدث، فالحكم بعدم دستورية الانتخابات أفضل من إجرائها والطعن عليها فيما بعد، ما يعني حل المجاس النيابي، ورغم صحة ذلك، فالأمور لا تتسم بالوضوح الكامل، صحيح أن الجميع أعلن احترامه لحكم المحكمة، والالتزام به، وتنفيذه. كما دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الانتهاء من تعديلات المواد المطعون عليها خلال شهر، ولكن ذلك لا يعني تحديد موعد للانتخابات القادمة، فالبعض يتحدث عن عدة أشهر لإتمام ذلك، نظرا لأن الأمر لا يتوقف فقط على إصدار القانون الجديد الخاص بتقسيم الدوائر، ولكنه يفرض على اللجنة العليا للانتخابات فتح باب الترشح من جديد، مع حفظ المراكز القانونية لمن تقدم للترشح قبل حكم المحكمة، مع تحديد مواعيد جديدة لفتح باب الترشيح، والطعون والدعاية الانتخابية، ومراحل الانتخابات سواء للمصريين في الخارج أو في الداخل، وكل هذه الإجراءات مسؤولية لجنة الانتخابات، وهي مشكلة من رموز قضائية، ولكنها ليست بعيدة في عملها عن السلطة التنفيذية.
وهكذا نفذت الحكومة ما أرادت، وعلى مصر أن تعيش من دون برلمان لأشهر قادمة يظل خلالها الرئيس من يملك في يده كل شيء.
usama.agag@yahoo.com •