alsharq

جيهان أبوزيد

عدد المقالات 103

في كاليفورنيا الأرض مسحورة تنادي البقاء

06 أغسطس 2012 , 12:00ص

حين أفاق من غيبوبة طويلة همس أبوه في أذنه قائلا «أتمنى لك حياة ليس فيها خوف». قابلت «ليو» بعدما كان عائدا للتو من رحلته للشجر الأحمر. شاهد أشجارا ترتفع قامتها وتلمس السحاب. اختبأ في حضن إحداها فظهرت صورته كبطل أسطوري خارج من رحم الشجرة. الشجر الأحمر يقرر أحيانا أن يترك قلبه مفتوحا فيبدو للناظر أشبه بكهف دافئ يعلوه شجرة كبيرة أخشابها حمراء اللون. لم يمانع «ليو» أن أعانقه. ولم أخبر أحدا أني أحدثه في نومي وأن عينيه لا تفارقني. على غلاف الكتاب ظهرت صورته. واقفا أعلى الجبل الشاهق حاملا حقيبته الحمراء. وعلى وجهه ابتسامه أشبه بالضوء. وفي الصفحة الأولى رسم صورة لإنسان بأعين واسعة ويدين طويلتين وأقدام رفيعة ثم أحاطه بإطار حوله كأنما يحميه. لو كنت معه لحظة أن رسم لوحته قبل خمس سنوات لسألته. لكنه كان حينئذ في المستشفى يتحدى الفراق ويجرب التنفس الطبيعي مرة أخرى بعدما كانت الأنابيب هي الرابطة الوحيدة بينه وبين الحياة. أودت الحادثة بأمه وظل هو شاهدا على قسوة الموت وغدره. الآن يبلغ «ليو» العاشرة. التقيت به في كاليفورنيا التي يزورها مع أبيه في طريقهما لولايات أميركية أخرى. ليتحدث الأب «مارتن سبنلي» عن كتابه «ما بعد الصدام» والذي صدر هذا العام في بريطانيا. الكتاب يرد على إحدى أسئلة الوجود المعلقة دوما. سؤال الفقد والبقاء. الفقد الذي يعصف بالأحلام، بالإيمان، بالثقة، بالحب، بالأمان والأمل وبالحياة. والبقاء الذي يتحدى الفقد ويهزم سحر الانسحاب والسفر البعيد. البقاء واثقا. أو مؤمنا. أو صادقا. أو مخلصا أو حيا يقود إلى صراع مرير. إنه الدرس الذي يعيشه مارتن الأب مع ليو. مارتن يكتب مع صغيره مفردات البقاء بدأب المحاربين. لم أكن وحدي من فتنت بالصغير. جميع الأصدقاء فتنوا به. كان فرحا. لبقا. باحثا. مهذبا وطفلا. نجح أبوه في رسم ابتسامة عفية على وجه ابنه وضحكة رائقة كمياه النبع ولون الربيع. في الغابة النادرة التي خصت كاليفورنيا فقط تماهت أشجار عالية هي الأطول في العالم كله. ودودة اللون دافئة. قطع معظمها على مدى التاريخ. لكن الباقي منها أحيط بالحماية وبسياج يشبه السياج الذي رسمه «ليو» حول الرجل ذي الأذرع الطويلة. يمتد عمر بعض تلك الأشجار إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف عام. وفي مدخل المتنزه وضع مقطع عرضي لشجرة تعود إلى تاريخ ميلاد المسيح. تظل الأشجار الحمراء تكافح للبقاء وتتخطى التاريخ وتبنيه مع البشر. الشجرة العملاقة التي احتضنت «ليو» واقفا في قلبها ينقصه الحصان فقط ليعدو بسيفه ضاربا الظلام كانت تبلغ ما يقرب من ثمانمائة متر طولا وسبعة أمتار عرضا. كما لا يخشى ليو الخوف. لا تخشى الأشجار الحمراء العملاقة الرياح العاصفة التي أحيانا ما تصرخ فيها أو الهزات الأرضية التي تخلع البعض منها. رأيت إحداها نائمة على الأرض ساقطة كجسد تعب. انكشف غطاؤها البني الجاف المتشقق وظهر خشبا ورديا ضاربا في الحمرة. لونه النادر وعراقته جعلته باهظ الثمن إذا ما استخدم في الأثاث. عدت من المتنزه الذي أسموه «الأخشاب الحمراء» على طريق ضيق مزدوج يصل بنا إلى سانتا كروز. المدينة الصغيرة التي روت لي صديقتي «تيدا» أن أرضها سحرت قديما بفعل الهنود أصحاب الأرض فصارت تهدي بعضا من سحرها لمن تحب وتختار. سمعت صوت الموسيقى التي يعزفها «ليو» ببراعة وسألت نفسي. أكانت الأرض هي التي أهدته السحر؟ أم صراع البقاء النبيل الذي يديره أب إنسان. أم روح أمه الحارسة التي قدمت كل شيء إليه ليلمع كأجمل نجوم السماء؟ أم إنه ولد مغسولا من الأتربة ورزاز القبح؟ حتى لحظة كتابة هذا المقال لم أكن قد وجدت الإجابة. ثم أدركت أن ليو مزيج من سحر الأم والأب والغابات والإنسان حين يكون إنسانا.

مصر حتنور تاني

إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...

بين اللجوء والنزوح مساحة ألم

سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...

في قلب القاهرة ماتت «شهرزاد»

«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...

ثلاثة مشاهد لا يربط بينها إلا «المياه»

المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...

في اكتمالي موتي.. وبالنقصان أستعيد الحياة

كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...

وللنساء مع الزلازل شأن آخر

في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...

ولكل منا أريكته الزرقاء.. ولكل منا آذان أخرى

الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...

في المطار يسألونك: أتحب الغناء والفرح!

أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...