الحقيقة الغائبة!!
06 يونيو 2015 , 01:46ص
لعل أفضل توصيف للمشهد السياسي في مصر، بعد اقتراب العام الثاني من أحداث ٣٠ يونيو، ومن مرور عام على تولي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لمهامه، أن هناك حالة من التململ ممزوجة بشعور لدى قطاعات عريضة من المصريين بخيبة الأمل، وفقدان الثقة في أن تشهد البلاد غداً أفضل، ولكن من التعسف التعويل على تلك الحالة في أن تتحول إلى فعل ثوري أو قدرة على التغيير، عبر أي من الطرق المتعارف عليها ديمقراطيا، ومن ذلك الدعوة إلى انتخابات رئاسية جديدة، أو تكرار ما حدث في ٣ يوليو 2013، رغم كل ما تموج به الساحة من دعوة إلى اعتصامات، مثلما هو الحال مع جماعة ٦ أبريل، أو الدعوة إلى حراك ثوري كما تطالب به قوى تحالف دعم الشرعية خلال الفترة القادمة.
ومن السهولة رصد حالة التململ في الشارع المصري ومظاهرة، ومن ذلك أن عاما كاملا من حكم عبدالفتاح السيسي، لم يكن كافيا ليشعر رجل الشارع العادي غير المسيس، والمهتم فقط بالبحث عن ظروف معيشته، بأن القادم أفضل مع معاناة شديدة من ارتفاع الأسعار، نتيجة رفع الدعم الاقتصادي، وارتفاع أسعار الخدمات ومستلزمات الحياة مثل أسعار الكهرباء والمحروقات والغاز ومياه الشرب، يتلازم ذلك مع تدهور واضح في تلك الخدمات مع غياب كامل لرؤية اقتصادية واضحة، تعالج الخلل والأزمات الاقتصادية التي تعيشها مصر منذ سنوات طويلة، والتي لم تنحز إلى محدودي الدخل، أو حتى ترضي مجموعات رجال الأعمال أصحاب، النفوذ الأكبر على مقاليد الأمور في مصر فقد عانى محدودو الدخل من قرارات رفع الدعم، وهي الوصفة المطروحة منذ سنوات طويلة، واحتاطت الأنظمة السابقة من العلاج بها، نظرا لتأثيراتها السلبية على محدودي الدخل، وهم الجزء الأكبر من الشعب المصري، وهذا ما حدث في يوليو الماضي، بتقليل الدعم عن المشتقات البترولية بقيمة ٥٠ مليار جنيه مصري، ومن المقرر أن تبدأ الحكومة مرحلة جديدة في أوائل الشهر القادم، رغم أن هناك طرقا أخرى متعارفا عليها، ومنها الضرائب التصاعدية مثلا، وكان موقف الحكومة مخزيا عندما قررت بضغوط من رجال الأعمال التراجع عن فرض ضرائب على أرباح البورصة المصرية، ورد ما تم تحصيله منها، ولا يعني ذلك بالضرورة انحياز الدولة لمجموعة رجال الأعمال، والذين كانوا أحد أعمدة نظام مبارك، فقد اكتشف الجميع أنه مطالب بالتعامل من الباطن، بعد أن أصبح الدور الأكبر في الاقتصاد المصري للمؤسسة العسكرية.
ولا يتوقف أمر التململ في مصر على غياب الرؤية الاقتصادية فقط، بل يضاف إليها عدم وجود أي رؤية سياسية، مما نتج عنه تأجيل إجراء الانتخابات البرلمانية، وهو أخد استحقاقات المرحلة الانتقالية، التي تم الإعلان عنها منذ ٣ يوليو، وكان مقررا أن تتم بعد ستة أشهر، وقد مر حوالي عامان دون أن يتم تحديد موعد إجرائها، رغم الإعلان عن ذلك أكثر من مرة، وآخرها ما ذكرها الرئيس المصري أنها ستتم نهاية هذا العام، كما كانت الفترة الماضية كافية لتصدع تحالف ٣٠ يونيو، الذي أريد له أن يكون واجهة مدنية لما حدث في ٣ يوليو، وانتهى دور كل الأحزاب والجماعات والتيارات التي تم الترويج على أنها كانت وراء الهبة الجماهيرية في ٣٠ يونيو، فأين هي حركة تمرد؟ التي تم تقديمها على أنها صاحبة الشرارة الأولى في الثورة. وأين جبهة الإنقاذ؟ وما مصير الأحزاب الليبرالية والمدنية وقوى اليسار الذين عارضوا حكم الإخوان. لم يعد لأي منهم أي دور على صعيد العمل السياسي، ولديها تحفظات عديدة، وانتقادات واسعة حول التحركات التي تجري، سواء الانتخابات البرلمانية، أو غياب الأفق السياسي، ولكنها لا تستطيع أن تعلن ذلك، في ظل غياب الحريات كما كان عليه الحال بعد ثورة يناير ٢٠١١ وحتى ٣٠ يونيه ٢٠١٣، ويدخل في إطار ذلك، حالة الاحتقان السياسي في مصر، نتيجة استمرار المواجهات الأمنية، وعدم القدرة على استئصال الإرهاب، كما وعد عبدالفتاح السيسي عندما طلب تفويضا من الشعب بذلك في ٢٦ يوليو ٢٠١٣، واستمرت الأوضاع في سيناء على حالها دون حسم، كما أن عملية ارتهان غياب أي إنجاز اقتصادي على مسألة مواجهة الإرهاب تمثل مراهنة على المجهول، مع استمرار التجاوزات الأمنية، وعودة الشرطة إلى سابق عهدها كما كانت عليه قبل ثورة يناير.
ولعل ما سبق يجسد حالة ومظاهر التململ في مصر، فماذا عن أسباب استبعاد أي احتمالات للتغيير، رغم وجود بعض مظاهر الاعتراض، ممثلة في مظاهرات محدودة لأنصار دعم الشرعية في مدن وقرى محدودة، أو بيانات من تنظيمات مختلفة، الأمر يعود إلى عدد من العوامل ومنها:
أولا: مأزق المعارضة المصرية إذا وجدت، فهناك خلافات شديدة وصراعات متصاعدة داخل الأحزاب الهامة، ومنها حزب الوفد مثلا كما أن هناك صراعا محموما بين أطرافها، لنيل شرف من يحظى أن يكون ظهيرا سياسيا للرئيس السيسي، الذي لا يبدو مهتما بكل الحياة السياسية في مصر، وثقته الكاملة في المؤسسة العسكرية، التي ينتمي إليها، والتعامل مع الشخصيات المدنية وتكليفها بمهام محددة، ثم الاستغناء عنها فيما بعد، وهناك عشرات الأمثلة، ومنهم عمرو موسى بعد انتهاء رئاسته للجنة الدستور، وكمال الجنزوري الذي حاول أن يكون حكما بين الأحزاب للخروج بتحالف انتخابي يضمن أغلبية مريحة داعمة للسيسي في مجلس النواب القادم، وانتهى دوره وغاب عن الساحة السياسية.
ثانيا: استنفار أجهزة الدولة العميقة بمصالحها المرتبطة مع النظام الحالي، مع تعدد تلك الأجهزة، وفي المقدمة استعادة السطوة الأمنية، وإطلاق يدها في مواجهة أي تحركات ضد النظام إذا وجدت، واستبعاد التعاطي معها في أي سلبيات أو أخطاء، ومنها قتل العديد في مراكز الاحتجاز أو اختطاف بعض الأشخاص وآخرهم طالب كلية الهندسة دون أي حسيب أو رقيب، ناهيك عن الدور الذي يقوم به القضاء المصري، الذي يمثل أحد أهم أدوات النظام في التنكيل بخصومه، وكذلك الإعلام الذي يمثل حائط الصد الأول لإجهاض أي حديث عن وجود تجاوزات والدفاع عن أي سياسات، والترويج لأي إنجازات حتى ولو لم تكن حقيقة.
ثالثا: تماسك المؤسسة العسكرية المصرية، والتي استعادت دورها كقوة التغيير الوحيدة، ليس في مصر فقط، ولكن في العديد من دول العالم، التي لا تلتزم بأي مسار ديمقراطي رغم الأعباء التي تتحملها على صعيد الانغماس في مشاكل داخلية، ومهام ليست من صميم عملها.
رابعا: تراجع أي احتمالات لضغوط خارجية على النظام، صحيح أن الخارج لم يكن عاملا حاسما في أي تغيير في مصر، سواء ما تم خلال السنوات الماضية أو قبل ذلك، رغم الملاحظات العديدة على سلوك النظام، قبل ثورة يناير أو حتى بعدها خاصة بعد ٣ يوليو، إلا أن من الملاحظ أن العديد من الدول تتعامل بمنطق المصالح، والإقرار بالأمر الواقع بعيدا عن شعارات دعم الديمقراطية، والتداول والتغيير السلمي في دول العالم الثالث ومنها مصر، وسعت الكثير من الدول المهمة إلى التلاعب في المواقف، ما بين التعاون مع النظام ودعمه عسكريا واقتصاديا، وإصدار بيان استنكار أو إبداء التحفظات والإعلان عن مواقف، عندما تتأزم الأمور بصورة لافتة، ومنها مثلا زيادة معدلات الأحكام بالإعدام في الآونة الأخيرة.
ويظل السؤال، وبعيدا عن الاتهام بالتيئيس والتشاؤم، ليس هو متى يتحول التململ إلى تحرك ثوري؟ بل الصحيح، هل سيكون هناك تغيير في مصر؟