


عدد المقالات 129
المجتمع المدني هو كل المؤسسات الحرة القائمة بين الفرد والدولة مثل الأسرة والكنائس والنوادي الرياضية ونوادي الموسيقى والمؤسسات الخيرية. وفكرة المجتمع المدني هي إحدى ثمار الحضارة. وما أطلق عليه توكفيل فن الارتباط هو نتيجة للممارسة الحديثة المتمثلة في تعاون أفراد مع أفراد آخرين لا يعرفونهم من أجل تحقيق أهدافهم. هذه الحاجة ببساطة لم تكن موجودة في مجتمعات الصيد وجمع الطعام التي عاش فيها أسلافنا؛ حيث كان كل شخص معروف للآخرين وكان بقاء النوع بأكمله معتمدا على اشتراك المجتمعات في هدف مشترك. ومع ظهور فكرة تقسيم العمل ومجتمع القانون الذي يستطيع كل شخص فيه استخدام ممتلكاته الخاصة من أجل أغراضه الخاصة، صار فن الارتباط أساس السلام والرخاء بين البشر. ومفهوم المجتمع المدني لا يمكن فصله عن فكرة الحرية. والتصور القائل إن الفرد الذي يعيش وحده يمكن أن يكون حراً، وأن الحرية تعني غياب القيود، يُعد من الأخطاء الشائعة. لكن نظرية المجتمع المدني تذكرنا بأن الدولة الحرة هي تلك التي تُطبَّق فيها القيود العادلة على جميع الناس، وأنه من خلال ارتباط الأفراد بعضهم ببعض تتحسن ظروف كل فرد منهم. وقد بين مفكر فرنسي، يدعى بنجامين كونستانت، معنى المجتمع المدني بوضوح حين أشار إلى أن الفكرة لم تكن لها دلالة إلا في العالم الحديث، حيث لا يمارس الفرد إلا تأثيراً ضئيلاً على غيره من البشر. وقد أكد كونستانت -في خطبة لخص فيها نوعين مختلفين من الحرية عند القدماء والمحدثين- أن حرية ارتباط الأفراد بعضهم ببعض، وليس حرية المشاركة في الحكومة، هي السمة المميزة لأهم صور حرية الفرد بوصفها أحد إبداعات العالم الحديث. وقد نوقشت فكرة الارتباط المدني، والمؤسسات التي نبعت منه، مناقشة منهجية بواسطة الأيرلندي إدموند بيرك والفرنسي ألكسي دي توكفيل، بينما كانا يرصدان أحوال المجتمعين الإنجليزي والأميركي في زمانهما. كانت أعظم أفكار توكفيل هي أن التقدم في أي مجتمع هو نتيجة ثانوية للتعاون البشري، الذي بدوره لا يمكن أن يحدث ما لم يكن المجتمع حراً ومحكوماً بما سماه مفكرو عصر التنوير «حكومة قوانين، لا بشر». بينما وصف توكفيل الطرق العديدة التي طور بها الأميركيون فن الارتباط خلال رحلاته إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تحدث بيرك بوضوح عن دور المؤسسات الوسيطة -التي هي نتاج ذلك الارتباط- في شؤون البشر، وقد أسماها «الجماعات الصغيرة». هذه المؤسسات الوسيطة المتمثلة في الأسرة والكنيسة والجماعة المحلية دعمت فعالية عمل المجتمع ككل. وكما كتب بيرك: «إن ارتباطنا بالجماعات الفرعية، وحب الجماعة الصغيرة التي ننتمي إليها في المجتمع، هو المبدأ الأساس للميول العامة (أو بذرتها، إن جاز لنا القول). وهذه هي الحلقة الأولى في السلسلة التي نتجه عن طريقها نحو حب الوطن والبشرية.» يرى بيرك أن هذه المؤسسات لعبت دوراً محورياً في تشكيل الشخصية الإنسانية وأنها -من خلال إشباع حاجة إنسانية عميقة للانتماء- أدت إلى قيام شبكة واسعة من الارتباطات التي قوّت الروابط التي تجمعنا معاً. الروابط التي تجمعنا في هذه الجماعات الصغيرة -التي سماها الفيلسوف المحافظ مايكل أوكشوت لاحقاً بالجمعيات المدنية- نجد الغرائز والروح التي تشكل وتصوغ جماعات البشر، التي تعد الوحدات البنائية للمجتمع. فمن خلال تيسير سبيل التعاون الاجتماعي، تمكننا هذه الجمعيات المدنية من الاستفادة من تواجد أقرب الناس إلينا، ومن ثم تقدير هذا التواجد. إن الولاء الذي نشعر به تجاه الأسرة والأصدقاء والمجتمع المحلي والأمة يتعزز من خلال حاجتنا للتواصل مع الآخرين. وعلى هذا تعد الجمعيات المدنية أشبه بالغراء الذي يضم أجزاء المجتمع معاً. فبعيداً عن الأفراد المنفصلين الذين يتحدث عنهم نقاد المجتمعات الحرة، تقوي الجمعيات المدنية الروابط التي تجمعنا بالتراث والاهتمامات المشتركة التي نتقاسمها مع الآخرين، ونتيجة لذلك تزيد من قوة المجتمع ككل. فالمجتمع المدني مجتمع إنساني لأنه يعزز مشاعر التعاطف الإنسانية نحو إخوتنا من البشر ويشجعها. الحكومة مقابل المجتمع المدني إن عدو المجتمع المدني ليس الحرية الفردية، بل الحكومة؛ فالحكومة تمزق الروابط التي تربط بيننا، لأنها تجمع السلطة والموارد وتتحكم فيها تحكماً مطلقاً، وتضعف مشاعر الولاء المدني لدى الأفراد من خلال فرض الضغوط على وقتنا وأموالنا ومشاعرنا. هذه الضغوط تضعف الروابط التي تجمعنا عن طريق حرماننا من الموارد المادية والمعنوية التي نستثمرها عادة في علاقاتنا بعضنا ببعض. فحين زار توكفيل الولايات المتحدة قادماً من فرنسا النابليونية، شعر بالدهشة في البداية من وفرة أعداد الجمعيات المستقلة الحرة التي تدعم كل قضية ووجهة نظر يمكن تصورها. لقد عجزت بلده الأم فرنسا التي كانت ترزح تحت وطأة حكومة مركزية عن دعم مثل هذا المزيج من الجهود الفردية؛ لأن قدراً أعظم بكثير من الطاقة البشرية كان مستنزفاً في تلبية احتياجات الدولة. هذا هو السبب الرئيس وراء ازدهار المجتمعات في ظروف الحرية. فالحكومة تضع العوائق أمام فن الارتباط لأنها تحاول إضعاف الأفراد. ففي المجتمعات الشمولية، تمنع الدولة الأفراد من التعاون معاً لتحقيق غايات مشتركة، لأن كل غايات المجتمع موجهة لتحقيق أهداف الدولة. عجلات التجارة تدفع المجتمع المدني التجارة تعزز الكياسة والتمدن. لقد أرجع مونتسكيو الفضل إلى التجارة في نشر الأخلاق الحميدة بين أفراد شعوب شمال أوروبا الذين أطلق عليهم الرومان فيما مضى اسم «الهمج». وأيد ديفيد هيوم فكرة أن انتشار التجارة من العوامل الحيوية في تهذيب المجتمع وتقدم العلوم والفنون. فلما أتاحت التجارة إمكانية أن يقدم الفرد «خدمة لفرد آخر دون أن يحمل له محبة حقيقة»، زعم هيوم أنها أوجدت مجتمعاً كان فيه من «مصلحة الجميع حتى الطالحين أن يتصرفوا بما يدعم الصالح العام». يحتاج التجار إلى ثقة من يتعاملون معهم، وهكذا فهم يساهمون في خلق مناخ تُحفظ فيه الوعود. وقد أوضح فرانسيس فوكوياما أهمية الثقة في المجتمعات الناجحة وإسهام التجارة والمقايضة في خلق الثقة التي تمكن المجتمع المدني من التطور. الإيثار والمصلحة الشخصية وصف الاقتصادي الأميركي رونالد كوز الكيفية التي يتجمع بها العديد من الأفراد والمساهمين والعمال والعملاء وغيرهم من أجل إنشاء ما نسميه بالمؤسسة. لكن في الوقت الذي تدفع فيه المصلحة الشخصية هذه المجموعات المتباينة إلى التعاون بعضها مع بعض، فإن الإيثار؛ أي الاهتمام بمصلحة الآخرين، هو أساس أشكال أخرى من التعاون الاجتماعي، مثل الأسرة. ومع أن دوافع الإيثار ملائمة في دوائر مختلفة، فإننا ندرك تماماً أنها لن تحقق لنا الكثير في عالم التجارة الأعمال، تماماً كما لا تحقق الأنانية فائدة ترجى في محيط الحياة الأسرية. إن قوة مؤسسات المجتمع المدني الوسيطة تكمن تحديداً في قدرتها على تعزيز مواهبنا الإنسانية وتنميتها بحيث يمكن استخدامها الاستخدام الأمثل. فالمجتمع المدني يوجه مشاعرنا إلى المتنفسات الملائمة لها، التي من دونها قد تتسبب المشاعر في الكثير من الضرر. الأسرة باعتبارها مؤسسة تخريبية مناهضة للمجتمعات الشمولية ربما تكون الأسرة أكثر مؤسسات المجتمع المدني أهمية؛ فدورها في تعليم الأطفال وإعالتهم وتنشئتهم لا تنافسها فيه أي مؤسسة أخرى. والأسرة مصدر متفرد للقيم الأخلاقية والاهتمام بالمشاعر الإنسانية، حتى إن فرديناند ماونت أسماها «مؤسسة تخريبية مناهضة للدولة». فهي تقف بين الإنسانية والرؤية المفزعة لمجتمع رواية «عالم جديد شجاع» الكابت للحرية، أو حتى جمهورية أفلاطون التي يكون فيها الأطفال تحت وصاية الدولة. فالأسرة، بوصفها ناقلاً للقيم من جيل لآخر، وبما لها من تحكم بالغ في المشاعر الإنسانية، تعد مدرسة أخلاقية أقوى كثيراً من أكثر وسائل الإعلام تأثيراً في الدول الشمولية. فالأسرة هي المكان الذي يتعلم فيه مواطنو المستقبل التمييز بين الصواب والخطأ. وفي المجتمعات التي تكون فيها الأسرة شديدة القوة -حيث تُتخذ القرارات بواسطة الأسر وليس الدولة- يقدر أفرادها الاختلاف بين الصواب والخطأ أعظم تقدير. والأسر في المجتمعات الحرة تملك هذه المزية لأن أعضاءها البالغين لا يعاملون كأطفال من قبل الحكومة. منطقة عازلة بين الفرد والدولة من الوظائف الأساسية للمجتمع المدني في المجتمعات الحرة أن يعمل بوصفه قوة موازنة لسلطة الحكومة. فحين يكون الأفراد منفصلين وغير معتادين على سبل التعاون الإنساني، يكونون فريسة أسهل للإغراءات الشمولية لأولئك الذين يقدمون الأمن بديلاً عن الحرية. فهذه الجماعات الصغيرة تعترض طريق الحكومة الاستبدادية لأنها تؤكد أحقيتها في ولاء أعضائها في مقابل مطالبات الشموليين بولاء المواطنين غير المشروط للدولة. الأسرة، والجماعات الدينية، والمؤسسات الخاصة، والمنظمات التطوعية المستقلة، واتحادات التجارة الحرة، كلها تضعف هذا الولاء وتبث قيماً مناقضة للطاعة والإذعان التي يطالب بها الشموليون. لهذا السبب حاول كل مجتمع شمولي أوجده الإنسان إضعاف هذه المؤسسات، ولهذا السبب أيضاً تعد درجة نمو وازدهار هذه المؤسسات مؤشراً على مدى الأمان الذي تتمتع به حرياتنا. • باحث وكبير مسؤولي البرامج بمعهد الدراسات الإنسانية بجامعة جورج ماسون في آرلينجتون بولاية فيرجينيا. بالتعاون مع مشروع» منبر الحرية»- www.minbaralhurriyya.org
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...