الإثنين 9 ربيع الأول / 26 أكتوبر 2020
 / 
10:02 م بتوقيت الدوحة

بحثاً عن النخبة الثقافية

بثينة الجناحي
«إن كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين في المجتمع». نظرية سردها الفيلسوف السياسي أنتونيو غرامشي، حول مفهوم النخبة. ومن هنا سأحلل المقولة وأقول إن جميع الناس مثقفون بالتأكيد، فالثقافة لا تكمن في عدد الكتب الكثيرة التي يقرأها الأدباء، وليست النظريات التي تقوم من خلالها حضارات وتسقط أخرى. فالثقافة تكمن أيضاً في يد الجميع ممن يستطيع أن يقرأ، ومن يحاول أن يعبر لفظاً، أو كتابة، أو حتى أداء، كأدوات تعبيرية تنفذ وتترجم في منصات مختلفة. فالثقافة كمفهوم هي أكبر من كونها متحيزة لجماعة معينة.
ولكن في الوقت نفسه يجب أن نتيقن بأن جميع المثقفين ليسوا قادرين على تحريك القوانين وتقديم المقترحات الإصلاحية، بل والأغلب لن يكون متمكناً من النقد الذي لطالما كان نقطة فاصلة ومفقودة أحياناً. وهذا باختصار يكمن في قدرة النخبة الثقافية، غير الحاكمة، في استثنائيتها من المجتمع، وعن كونها القلة التي تلعب دور التأثير على المجتمع.
اختلفت المفاهيم على النخبة، وتنوّعت من سابق عهدها التي احتكرت على قلة وبكلاسيكية محدودة. فهي ليست تلك المجموعة التي تحكم، ليست السلطة، وإن كان الأساس يتطلب المجموعة التي تتحكم بالقوة. إنما تنقسم النخبة أيضاً إلى الفئة غير الحاكمة، والتي تعتبر المجموعة التي قد تكون لها فرصة الانضمام إلى النخبة الحاكمة في تلك الدائرة النخبوية. فأقرب من يحظى بتلك الفرصة هم فئة كبار الموظفين، العائلة الحاكمة وقادة الجيش؛ إذ إن هذه الفئات تعتبر ممن يوالون للسلطة وحمايتها.
وهناك أيضاً النخبة الثقافية غير الحاكمة، والتي تتضمن أصحاب المواهب، والأدب، والقدرات الكتابية، التي يكون لها الدور الأساسي والمحرك عندما تختل الأوضاع المهنية، كما كان الحال مع الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة، عندما برزت المواهب الكتابية في الصروح الإعلامية، وسقطت الوظائف عندما اختلت الأوضاع الاقتصادية، وبات الناس في حالة بطالة.
وعلى ذلك يظل السؤال قائماً في هذه الحال بحثاً عن المثقف، أين هو؟ وما تلك الرابطة التي تبقيه في دائرة النخبة؟ كيف يكون للمثقف الدور الأساسي في التأثير على الحركة النهضوية وبناء مقوماتها؟
هذا سؤال عميق، ولكن الإجابة عنه بسيطة، إنما آلية الوصول إلى النتيجة هي التي تتطلب الكثير من التمعّن. ولكن لحكم ضيق الأسطر، نستطيع أن نختصر الموضوع على أن المثقف يعتبر حقلة وصل مؤثرة ما بين السلطة والمجتمع. إذ هو يسعى إلى أن يكون الوسيط. فهو جزء من آلية تتماشى مع سياسة دولة، تتماشى مع مبادئها أيضاً، وإن اختلف في وجهة النظر نحو التغييرات التي تطرأ على المجتمع، همومه، وتحليل تذمر المجتمع في مواجهة التغييرات السريعة على سبيل المثال.
ولكن أود لو أن نلتفت لمرة إلى مساعي المثقف في بادئ الأمر. فلماذا يتعين علينا أن ننظر في علاقة السلطة بكل شيء، بينما نتغافل أحياناً النظر في علاقة الآخر بالسلطة؟! هكذا أجد الحاجة إلى النظر في دواعي وجود النخبة الثقافية بين السلطة؛ إذ إن البحث عن مسيرة نخبوية للمثقفين قد يكون مدخلاً لحلقات نقاشية متعددة، عبر الأدوات التعبيرية التي يتنفس من خلالها النخبة الثقافية.

اقرأ ايضا

لا مفتوح ولا مخلوع!

26 مارس 2015

ضباب الخمسة أيام

29 ديسمبر 2016

الحرة الشامخة

14 ديسمبر 2017

نشرة أخبار جوية

04 أكتوبر 2018

دفعات سيئة!

09 أبريل 2020