خريطة بلا معالم!!
05 ديسمبر 2013 , 12:00ص
كما لو كانت «قدس الأقداس»، لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها، هكذا تعاملت سلطة الانقلاب مع نص خريطة المستقبل، التي أعلنها الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع، وكان بمثابة إعلان للانقلاب، بحضور عدد من الرموز الدينية والسياسية، في مقدمتهم شيخ الأزهر البابا تواضروس، ومن السياسيين الدكتور محمد البرادعي، والذين كانوا «شهود زور» على كل ما حدث من تطورات لاحقة، وبدأت بالقبض على أول رئيس جمهورية، مدني منتخب بشكل حر وديمقراطي، هو الدكتور محمد مرسي إلى مكان مجهول، ظل هكذا، حتى تمت معرفته مع أول ظهور له، وكان إحدى ثكنات القوات البحرية بالإسكندرية، ولم تنته الأحداث بعد.
ولعل مرور كل تلك الفترة من 3 يوليو حتى الآن، يمكننا من رصد ما تحقق من خريطة المستقبل على كافة المستويات، على الرغم من عدم اعترافنا بها، فقد كرست الانقلاب العسكري، وتم فرضها بقوة الدبابة، والتي تضمنت ثمانية بنود، والغريب أنها خلت من أي إشارة إلى موقف الدكتور مرسي، سواء بالعزل أو القبض عليه، حتى يظل محتجزا من دون تهمة، واستمرت الأمور على هذا الحال، حتى تم تجهيز المسرح، وخلق مجموعة من التهم الوهمية، التي يحاكم بها الرئيس مرسي، وأيا كان الأمر، فقد تضمنت خطة المستقبل عددا من البنود، بعضها تحقق بفرض أمر واقع، بقوة الدبابة. وبعضها لم يبارح مكانه، والآخر تم تنفيذه بصورة مخالفة تماماً لما تم إعلانه من قادة الانقلابيين ذاتهم.
لقد حققت الخريطة البند الأول والثاني، اللذين يتضمنان تعطيل العمل بالدستور في شكل مؤقت، والثاني يشير إلى أن رئيس المحكمة الدستورية العليا يتولى مسؤولية إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، لحين انتخاب رئيس جديد. على أن يؤدي اليمين أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا. وبالفعل تم اختيار المستشار عدلي منصور، الذي لم يكن قد أدى اليمين ليتولى مسؤولية المحكمة الدستورية العليا، ليكون رئيساً مؤقتا لمصر، في محاولة من قيادات الجيش، لتلافي كل أخطاء المجلس العسكري، في الفترة من 11 فبراير 2011 الذي تصدر المشهد السياسي، وأدار البلاد بشكل مباشر، دون خبرة مسبقة، بينما نجح انقلاب 30 يونيه في البحث عن غطاء مدني، والحكم من وراء ستار الرئيس المؤقت، وحكومة حازم الببلاوي، وكل المؤشرات التي تؤكد أن المؤسسة العسكرية والفريق أول عبدالفتاح السيسي هو الحاكم الفعلي للبلاد.
وقد بدأت مأساة خريطة المستقبل، مع تنفيذ البند الثالث، الذي نص على تشكيل حكومة كفاءات وطنية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات. فخرج التشكيل الوزاري الذي تم تعيين حازم الببلاوي رئيساً للوزراء «بخلطة سياسية ممسوخة «ومحاصصة بكل المقاييس حتى غلب عليها أحزاب جبهة الإنقاذ، بالإضافة إلى مطاريد وزارات الحكومات السابقة، من أيام الدكتور عصام شرف وكمال الجنزوري، وحتى الاحتفاظ بعدد من وزارات حكومة هشام قنديل، والكثير منهم لم يترك بصمة تذكر، في الملف الذي تختص به وزارته، ولم تحقق وزارة الببلاوي أي إنجاز، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، «رغم قبلات الحياة» التي حظي بها، بعد حزم المساعدات السخية، التي حصلت عليها حكومة الببلاوي من بعض دول الخليج. كما استمرت الأزمات الخاصة بالخدمات، والاحتياجات الرئيسية للمصريين. وآخرها أنابيب الغاز، مع ارتفاع مضطر للأسعار، وظهرت الانتقادات قوية للوزارة ووصفت بأنها صاحبة «الأيادي المرتعشة»، والتي تصدر القرار وتتراجع عنه، ومن ذلك الإعلان عن البدء في تنفيذ الحد الأدنى والأقصى للأجور، كما كشفت الممارسة عن وجود خلافات بين الوزراء، نتيجة تنوع المنابع الفكرية، وغياب استراتيجية وخطة عمل للوزارة التي لم تحدد طبيعة الوزارة هل هي انتقالية؟ أم وزارة تيسير أعمال، وقد تردد أكثر من مرة أن هناك نية لإجراء تغيير وزاري، ولم يتم.
واستمرت مخالفات خريطة المستقبل للنصوص التي تم الإعلان عنها، ومن ذلك تشكيل لجنة تضم كافة الأطياف والخبرات لإجراء التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور. وجاء الإعلان الدستوري ليتحدث عن لجنة العشرة، من خبراء دستور. وأخرى من خمسين عضوا غلب عليها قوى اليسار. وتم استبعاد كل ممثلي تيار الإسلام السياسي. وبدلا من أن تلتزم بالمهمة المكلفة بها، في إجراء التعديلات. بدأت في وضع دستور جديد لمصر، هو الثاني في أقل من عام، وأظهرت المناقشات، أن الدستور تحول إلى لعبة مصالح لقوى عديدة في الدولة المصرية، تحاول ترويج تلك الحقوق، من خلال الدستور كما لم يتم تنفيذ البند الخاص بمناشدة المحكمة الدستورية العليا، لسرعة إقرار مشروع انتخابات مجلس النواب، والبدء في إجراءات الإعداد للانتخابات البرلمانية، فلم يكن هناك مناشدة من الأصل، بل الخطير أن لجنة الخمسين قررت عدم حسم قانون الانتخابات والنظام الانتخابي، وإحالته إلى الرئيس المؤقت الذي رفض بدوره ذلك فأعادت لجنة الخمسين البحث في القانون، وتم التوافق على نسبة الثلثين للقوائم والثلث الفردي كما كان عليه الحال في دستور العام الماضي. كما تركت مسألة أسبقية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لرئيس الجمهورية رغم أن الخريطة كانت واضحة في أن البرلمانية وبعدها الرئاسية.
ولعل الطامة الكبرى في البند الخاص بالإعلام، والذي تحدث عن وضع ميثاق شرف إعلامي، يكفل حرية الإعلام، ويحقق القواعد المهنية والمصداقية، والحيدة وإعلاء المصلحة العليا؛ حيث تم منذ اللحظة الأولى إغلاق كل القنوات الفضائية المناهضة للانقلاب، خاصة القنوات الدينية وتم التضييق على الإعلام، واستهداف الإعلاميين، حيث تم إلقاء القبض على العشرات، مع استشهاد آخرين منهم، وشارك الإعلام الخاص والعام في حملات التحريض، والتخوين، وشيطنة الإخوان المسلمين، والترويج لفكرة اتهام الإخوان بالإرهاب في ظل حملة من الأكاذيب غير مسبوقة، كما عادت الأجهزة الأمنية، خاصة الأمن الوطني والمخابرات العسكرية، لتمارس أدوارها في تضييق وخنق الحريات، كما تم تنفيذ البند الخاص بتمكين الشباب ودمجهم في مؤسسات الدولة بشكل محدود من خلال تعيين بعض الرموز الشبابية المشاركة في تمرد والإنقاذ والمعارضة في منصب نائب وزير، دون أن يكون هناك استراتيجية أو رؤية متكاملة لذلك.
كما تم إهمال البند الأخير تماماً، والخاص بتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية، وتمثل مختلف التوجهات. وقد أظهر ذلك افتقاد النظام الحالي لكل مقومات الذكاء، وعدم الرغبة في خوض غمار المصالحة الوطنية من الأساس، خاصة أنه كان يمكن للنظام السير في تنفيذ هذا البند وإعلان أسماء اللجنة، بل وعقد لقاءات مع التيارات والحركات والأحزاب السياسية والبحث في آليات تحقيق المصالحة، والنظام على ثقة تامة، بأن أحزاب دعم الشرعية وفي القلب منها الإخوان المسلمون لن يشاركوا، ولن يتفاعلوا مع اللجنة. وبعدها يمكن تحميلهم مسؤولية فشل عمل اللجنة، وتعريتهم أمام الرأي العام. فالحكومة تسعى للمصالحة، والإخوان هم من يرفضون، ولكن الغباء السياسي وعمى البصر والبصيرة السياسي، الذي أصاب النظام جعله يضع المصالحة بندا في خريطة المستقبل، دون أن يتم تفعيلها. والمرة الوحيدة، كانت تلك الحوارات التي قام بها مستشار الرئيس الصحافي أحمد المسلماني، عندما اجتمع مع أحزاب لا تختلف عن توجهات الدولة سياسيا بعد 30 يونيه، وكان الهدف الحقيقي هو تسويق المسلماني لنفسه إعلاميا، رغم أن ذلك ليست مهمته، ولم تكن مطلوبة منه، وينطبق عليها المثل «جورج الخامس يفاوض جورج الخامس» ولم تؤد إلى تحقيق أي نتائج.
وبعد، هذه هي صورة خريطة المستقبل منذ اليوم الأول لطرحها والتي أكدت أنها كانت استهلاكا للوقت فقط.