المكارثية المصرية!!
05 سبتمبر 2013 , 12:00ص
نجح الإعلام المصري مؤخراً بعد انقلاب 30 يونيه بامتياز في مخطط شيطنة الإخوان المسلمين باتفاق مع المجموعة الانقلابية، في ظل موافقة وترحيب ومساندة القوى الليبرالية، وفي غفلة من الشعب، الذي يتأثر بشكل كبير بالإعلام، سواء الحكومي أو الخاص، وتم تحميلهم كل أزمات مصر، ليس فقط في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، ولكن منذ فجر التاريخ!! لدرجة أن إعلاميا ومقدم برامج، اتهمهم بالمسؤولية عن سقوط الأندلس!! وتحول بعض وزراء الحكومة السابقة - في إطار المخطط - إلى إرهابيين، رغم أنه لم يمر على خروجهم من الوزارة سوى أقل من شهرين، وبعضهم حقق نجاحا ملحوظا بشهادة الجميع، ومنهم وزير التموين باسم عودة، الذي تمنى رئيس الوزراء الحالي حازم الببلاوي استمراره في المهمة، وأصبح الآن مطاردا من أجهزة الأمن، ومتهما بالتحريض على القتل وممارسة العنف، فقط لأنه شارك ضمن وزراء وقيادات كثيرة في اعتصام رابعة العدوية والنهضة.
وبدأت في مصر ظاهرة المكارثية، التي شاعت في أميركا في خمسينات القرن الماضي، في زمن مكافحة الشيوعية، هي لمن لا يعرف تنسب إلى جوزيف مكارثي نائب جمهوري في الكونجرس الأميركي من المحافظين، قام باتهام عدد من المواطنين الأميركيين بالانتماء إلى الشيوعية في زمن الحرب الباردة دون إثباتات كافية تدعم تلك الادعاءات، ومنهم موظفون في وزارة الخارجية تم طردهم من وظائفهم وتقديمهم للقضاء، فقط للاشتباه في انتمائهم إلى الشيوعية. ويستخدم هذا المصطلح عندما يقوم شخص ما أو جهة ما في ترهيب الأشخاص ثقافيا، وهدفها نشر البلبلة والفوضى، وثقافة الخوف وتمزيق نسيج المجتمع، وهو نفس ما يحدث في مصر خلال الشهرين الماضيين، صحيح أننا نفهم حالة الاستقطاب الشديد والانقسام الحاد بين قطاعات عديدة من الشعب المصري بين مؤيد ومعارض لما حدث في 30 يونيه، ولكن الجديد في المجتمع المصري هي حالة الاحتراب الأهلي، التي وصلت في بعض المدن والقرى إلى أن يتم إحراق بيوت ومحلات، وأسر تنتمي إلى التيار الديني، ومحاولة طردهم من أماكن إقامتهم، وحصارهم ومطالبتهم بالرحيل، مثلما حدث في بورسعيد من حرق أحد المحلات وبداخله اثنان من أصحابه فقط لأنهما من الإخوان، وتكرر المشهد في محافظات المنوفية والشرقية.
ولم تكن الدولة المصرية بكل أجهزتها بعيدة عن تلك الظاهرة، بل عززتها وكرستها من خلال أحاديث مختلفة عن إقصاء جماعة الإخوان المسلمين، وحل حزب الحرية والعدالة من كل العملية السياسية، صحيح أن القليل من المسؤولين كان يروج للمصالحة، ولكنها صبت في خانة «إبراء الذمة» دون أن يكون هناك أي نية على الإطلاق في السير ولو قليلا في ذلك الطريق، كما أن التيار الغالب داخل السلطة، أو في الأحزاب المؤيدة لخريطة المستقبل تدعو إلى استئصال جماعة الإخوان المسلمين، وهناك خطوات باتجاه توفير إطار قانوني - حتى ولو كان مصطنعا - لإنهاء وجوده، أو عودتها إلى أن تصبح محظورة أو غير شرعية، بالإضافة إلى حل حزب الحرية والعدالة من خلال منع الأحزاب ذات المرجعيات الدينية، كما أن الحكومة الحالية مستمرة في عمليات التصعيد واعتمادها الحل الأمني في علاج الأزمة السياسية الحالية، من خلال فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة، مع سقوط الآلاف من الشهداء، يضاف إلى ذلك حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت قيادات من جماعة الإخوان المسلمين، ومنهم المرشد العام محمد بديع، وهو ما كان محظورا في زمن الرئيس المخلوع مبارك، بالإضافة إلى شخصيات أخرى، وكلهم بتهم التحريض على العنف والقتل، وقد وصل العدد إلى الآلاف، وبعضهم من النساء والفتيات، وهي ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ المصري.
ولعل الدليل الأكبر على المكارثية توسيع دائرة الاستئصال وامتدادها إلى قطاعات جديدة، وبعضها معاد للإخوان المسلمين، وجزء منها من مؤيدي انقلاب 30 يونيه، ولعل في المقدمة من هؤلاء الدكتور محمد البرادعي، والذي شارك في إعلان خريطة المستقبل، وقبل أن يكون نائبا لرئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، وحاول طرح رؤية أخرى لحل سياسي للأزمة السياسية في مصر، بعيدا عن الحل الأمني وسقوط ضحايا. وقرر الاستقالة من منصبه، فدخل دائرة الاتهامات بالخيانة العظمي، والغريب أن مقدم البلاغ ضد البرادعي، موظف في إدارة الشباب بمحافظة الغربية، وتم إحالة القضية إلى القضاء خلال الشهر المقبل، وشهدت الفترة الماضية ظاهرة جديدة، وهي توسيع دائرة الاتهامات لتشمل تهما غير معتادة في تاريخ الأزمة السياسية، ومنها الخيانة العظمى والتخابر مع دول أجنبية، وهو ما حدث مع بلاغ تم تقديمه من بعض المحامين والأفراد العاديين ضد شخصيات عامة، لا ترتبط لا من قريب أو بعيد بالإخوان المسلمين، ومنهم مثلا خالد داود، وكان متحدثا باسم جبهة الإنقاذ، وظل يدافع عن ما حدث في 30 يونيه، فقط لأنه اعترض على حملة تخوين البرادعي، واتهامه بالعمالة، وكذلك رفضه سقوط ضحايا. والأغرب هو اتهام عدد من ضيوف قناة الجزيرة بالعمالة فقط لأنهم يطرحون رؤية مختلفة، ومنهم حاتم عزام نائب رئيس حزب الوسط، وكذلك الكاتب الصحافي وائل قنديل، رغم أن كتاباته السابقة تحفل بانتقادات الرئيس محمد مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين، ناهيك عن المطالبة بسحب الجنسية المصرية عن العلامة الشيخ القرضاوي، وكل العاملين في الجزيرة مباشر من المصريين، واتهام شخصيات مثل الدكتور محمد سليم العوا، والدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري بالخيانة العظمى، وشملت القائمة شخصيات عربية ومنها توكل كرمان الناشطة اليمنية، والتي أعلنت دعمها اعتصام رابعة ورفض الانقلاب العسكري، وتم منعها من الدخول إلى مصر. واستمرت تلك الحملة المكارثية، وامتدت إلى بعض الجاليات العربية الموجودة في مصر، خاصة الفلسطينية والسورية، من خلال الترويج لفكرة ثبت كذبها من مشاركة عدد من السوريين في الاعتصام، وأن بعضهم يتقاضى أموالا على ذلك مما أثر على وضع الأسر التي لجأت إلى مصر؛ هربا من الأوضاع الصعبة هناك، وبعضهم تم إجباره على البحث عن ملجأ آخر، مثل تركيا أو الأردن، وعاد آخرون إلى سوريا ليواجه مصيره، كما أن هناك من أدخل حركة حماس وسكان قطاع غزة ضمن الصراع السياسي في مصر مع الإخوان المسلمين، واستخدام دعاية وأكاذيب حول استضافة القطاع لقادة من الإخوان، ودعم من حماس للجماعات الجهادية في سيناء مما كان سببا في إغلاق معبر رفح، والتضييق على الفلسطينيين المقيمين في مصر.