alsharq

عبدالوهاب بدرخان

عدد المقالات 307

ليبيا تحت رحمة الميليشيات

05 أغسطس 2013 , 12:00ص

مضى عامان على سقوط النظام السابق في ليبيا، وعام على انتخابات المؤتمر الوطني العام، ولما يبلغ البلد بعد لحظة الخروج من «الثورة» إلى الدولة، أي إلى النظام الجديد المستقرّ الذي دفع الليبيين في سبيله عشرات آلاف الضحايا وأضاعوا من حياة أجيالهم أربعين عاماً أمضاها حكم الاستبداد في إخضاعهم وترهيبهم وانتهاك كرامتهم من دون وازع أو رحمة. لكن «الثوار» لم يبدوا حتى الآن أكثر رأفةً ببعضهم بعضاً، أو أكثر حرصاً على وطنهم الذي يتسع لهم جميعاً، أو أخيراً أكثر استعداداً لتغليب مصلحة الشعب على المصالح الفئوية. لذلك فرض الصراع على السلطة نفسه كأولوية، لكن على خلفية سلاح منتشر بكثافة، وفي مجتمع مُنع طوال عقود من ممارسة السياسة أو مباشرة أي نوع من الحقوق. كانت الانتخابات جرت في أجواء أقرب إلى الطبيعية، وجاءت بنتائج تعكس حقيقة المجتمع وتعاكس المناخ العام الذي أوحى بصعود الإسلاميين في كل مكان. ولعل ما زاد النتائج مصداقية أنها خالفت الأمر الواقع على الأرض حيث كانت الميليشيات المسلحة ولا تزال هي التي تحكم، من الشارع. وبالتالي أكد الناخبون رغبة عارمة في ضرورة انسحاب المسلحين لمصلحة قوات عسكرية وأمنية تنتمي إلى الدولة، أي إلى الشعب بمختلف فئاته. لكن الأحداث شاءت غير ذلك، فلا المؤتمر الوطني ولا الحكومة أثبتا أنهما يعملان وفقاً لأجندة وطنية واحدة، ولا الميليشيات اعترفت بقوّة «درع ليبيا» النواة المفترضة للجيش المقبل. وبدلاً من أن يسارع المؤتمر المنتخب، وهو المؤسسة الوحيدة المتمتعة بالشرعية، إلى المهمة الأولى التي كانت على جدول أعماله، وهي المصالحة الوطنية، فإنه غرق في الخلافات والوساطات (الفاشلة) التي أدّت إلى غزوات انتقامية قامت بها الميليشيات لعدد من المدن والبلدات المتهمة بالدوام على «الولاء» لنظام معمّر القذافي الذي اندثر ودفن زعيمه في مكان مجهول في الصحراء، مع ما رافق هذه الغزوات من انتهاكات مخزية لا تزيد «الثوار» مجداً لكنها تزيد الضغائن بين أبناء الشعب الواحد. ومع الوقت أصبحت الميليشيات هي التي تتحكّم بأجندة المؤتمر إما بمحاصرة مقره للضغط على أعضائه، أو بمحاصرة الوزارات لإجبار الحكومة على اتخاذ القرارات التي يحددها «أمراء الحرب»، وصولاً إلى جو الترهيب الذي فرضه هؤلاء لاستصدار «قانون العزل» الذي وُضع مبدئياً في إطار «العدالة الانتقالية»، لكن أجواء الفوضى والعشوائية تجعل منه أداة للثأر والانتقام من كل من عمل تحت جناح النظام لسابق. وقد عنى ذلك أن الإدارة الحكومية ستتخلى عن أعداد كبيرة من الكوادر ذوي الخبرة والكفاءة، من دون أي ضمان بتعويضهم بمن يماثلهم بل بمن يختاره زعماء الميليشيات بمعايير الأثرة والنسب والولاء الفئوي والاستنفاع غير المبرر. في الآونة الأخيرة، أو بالأحرى منذ الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي في 11 سبتمبر 2012، فرخ العنف الميليشيوي عنفاً آخر أكثر تطرفاً ينتمي عملياً إلى النسيج الإرهابي الذي يرعاه تنظيم «القاعدة» وينشئ له فروعاً في مختلف أنحاء المغرب العربي. ومرةً أخرى برهن المجتمع أن لديه بوصلةً لا تخطئ إذ خرجت التظاهرات لتهاجم مقار هذه الجماعات التي كانت مقبولةً بسبب «مساهمتها في الثورة» أما عودتها إلى العنف الأعمى الذي نشأت عليه فلا يمكن أن تكون مقبولةً. ولعل هذه النقمة الشعبية، الموازية لما أخرجته صناديق الاقتراع من رفض للتيارات التي يمكن أن تلجأ إلى العنف، قادت إلى تغيير في تحالفات الجماعات والميليشيات في ما بينها. لذلك رأينا القوى المسلحة الممثلة للسلطة الشرعية القائمة تتأهب لضرب هذا الفصيل أو ذاك، ثم تتراجع من دون إيضاح الأسباب، ولا تفسير لذلك سوى أن الجماعات الكبرى النافذة تعهدت ضبط حركة الجماعات الصغرى لقاء ضمان وجودها ووقف ملاحقتها. غير أن هذا لم يمنع الجماعات الكبرى من توظيف الصغرى لديها وتكليفها بمهمات محددة بدأت ملامحها تتكشف من خلال التفجيرات والاغتيالات التي تكاثرت أخيراً وأفسدت المناخ السياسي العام. وثمة مفارقة ظهرت قبل أيام مع تداول اقتراح بضم كثيف لعناصر الميليشيات إلى قوى السلطة والاعتماد عليها في تأمين الأمن رغم أنها تعبر أولاً وأخيراً عن انقسامات المجتمع في حين أن البلد يحتاج خصوصاً إلى أمن يساوي بين جميع المواطنين. والمقلق هنا أن الوسط السياسي والحكومي لا يملك خيارات كثيرة، وما يملكه منها لا يضمن تنفيذه، فالحكومة الحالية فقدت قوة الدفع رغم الشخصية القوية لرئيسها وباتت أقرب إلى التفاهم مع الميليشيات منها إلى إخراجها من الشارع، كما أنها أضاعت شهوراً طويلة من دون أن تتقدم خطوة واحدة نحو إنشاء جيش الدولة وشرطتها. ويبقى الأكثر إقلاقاً أن المؤتمر الوطني العام يبدو غارقاً في التطورات الداخلية وتداعياتها، إلى حد أنه استهلك كثيراً من الوقت ولم يتمكّن بعد من وضع استحقاق الدستور على سكّة الإنجاز. ومعلوم أن الهيئة التي ستتولّى كتابة الدستور ستكون منتخبة من خارج المؤتمر، وثمة عقبات لم تزلل بعد أمام الاتفاق على كيفية تمثيل الأقاليم الثلاثة، وعقبات كأداء أخرى أمام التوافق على شكل النظام المقبل ومضامين الدستور والمرجعيات العقائدية التي سيتبنّاها، وهذه سبق أن أثارت أزمات سواء في مصر أو في تونس، ولا ريب في أنها ستثير النقاش نفسه في ليبيا مع ما يتبعه من تداعيات سياسية وأمنية، ما ينذر بأن المرحلة الانتقالية الليبية ستمضي من دون سقف زمني محدد.

ليبيا في لجّة نظام دولي «متضعضع تماماً»

لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...

«ضمّ الأراضي» كجريمة يقاومها العالم بالكلام

في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...

صدمة بولتون: ترمب أقلّ تطرّفاً مما ظنّه!

هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...

إزالة «التماثيل» بين تصحيح الحاضر ومراجعة التاريخ

فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...

هل تحتمل أميركا والعالم ولاية ثانية لترمب؟

لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...

تغطية عربية للسطو الإسرائيلي على الضفة

ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...

مسلسل واقعي من خارج السباق الرمضاني

وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...

بين واشنطن وإسرائيل مجرّد تصويب للأولويات

لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...

خيار الكاظمي بالعراق في مسار صعب وواعد

مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...

ما بعد «كورونا».. هل هو فرصة لمنطق الطغيان؟

السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...

في انتظار اللقاح.. أي دروس من الجائحة؟

ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...

بين فيروسات وبائية وفيروسات سياسية

لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...